خطاب نصر الله المتوتّر سببه محلي أم يعبّر عن قلق من تقدّم المسار السوري – الإسرائيلي؟
أعاد شد عصب القاعدة الناخبة لخصومه وأضر بحلفائه من مختلف الطوائف
ذريعة <حزب الله> بأن سبب الخطاب السياسي المتوتّر والاستفزازي لأمينه العام حسن نصر الله، يعود لنبش <تيار المستقبل> وزعيمه النائب سعد الحريري، ملف إجتياح العاصمة بيروت في السابع من أيار بسلاح <المقاومة> من جديد، لم تُقنع أحداً، لأن الحزب، وعلى لسان أكثر من قيادي ومسؤول فيه، هدّد مراراً بتكرار اللجوء الى تنفيذ سابع أيار جديد ضد منافسيه السياسيين طوال الأشهر الماضية في محاولة ترهيب لإخضاع خصومه، في حين كان الحزب سبّاقاً الى افتتاح موسم التوتير والاستفزاز الحالي من خلال مراسم الاحتفالات الفضفاضة في استقبال الضباط الأربعة ومحتوى الخطاب السياسي لأمينه العام في هذه المناسبة·
إذاً ما هو السبب الحقيقي لاعتماد الأمين العام لحزب الله مثل هذا الخطاب في هذا الوقت بالذات، وما هي أبعاده، وتأثيراته السياسية، لا سيما على الواقع الداخلي؟
تعدّدت الاستنتاجات السياسية للخطاب المتوتّر الذي اعتمده الأمين العام لحزب الله مؤخراً، فذهب البعض الى اعتباره بمثابة محاولة لتوتير الأجواء السياسية العامة، واستجرار ردود أكثر حدّة من الأطراف السياسية الأخرى، وإعادة شحن الشارع من جديد على أبواب الانتخابات النيابية، مع ما قد ينتج عن ذلك، من حدوث توترات أمنية شبيهة لما حصل في الماضي، قد تطيح بالانتخابات النيابية، أو تشلّ حركة تحالف قوى 14 آذار جزئياً، بعدما تبيّن من خلال وقائع حركة الناخبين وتوجهاتهم صعوبة فوز تحالف قوى 8 آذار بالأغلبية النيابية في مجلس النواب الجديد، بالرغم من كل الادعاءات الوهمية التي تبجحت بها هذه القوى وأوهمت الرأي العام بحصولها، وخلافاً لكل نتائج الإحصاءات المركبة التي عمدت الى نشرها في وسائل الإعلام التابعة لها·
إلا أن استنتاجات أخرى ذهبت الى أبعد من ذلك، واعتبرت أن مسألة الإطاحة بالانتخابات لا يقررها طرف لبناني بمفرده وإنما جهات إقليمية أو دولية فاعلة، ولا تظهر بوادر تصبّ في هذا الاتجاه، بل إن كل المؤشرات تصبّ في خانة إجراء الانتخابات بتوافق إقليمي ودولي، تفرضه حركة الاتصالات الدبلوماسية الناشطة علناً بين السوريين والأميركيين من جهة وبين الأميركيين والإيرانيين من وراء الكواليس من جهة ثانية، ولا يستبعد هؤلاء أن يكون سبب التوتّر الذي اتّسم به خطاب الأمين العام لحزب الله هو تقدّم حركة الاتصالات الدبلوماسية السورية – الأميركية التي قطعت شوطاً بعيداً في اتجاه تحقيق تسوية سلمية بين سوريا وإسرائيل بفعل الوساطة التركية التي تتحرك بفاعلية لدى الطرفين ومع الولايات المتحدة الأميركية، وقد تمّ تسجيل تقدّم سريع باتجاه مسودة اتفاق شبه نهائية بين الدولتين باعتراف أكثر من مسؤول بارز فيهما، بعد أن تم تذليل آخر الصعوبات التي كانت تعترض إنجازها، في حين يبدو أن التريّث في الإعلان عن هذا الاتفاق بشكله النهائي، ينتظر الضمانة الأميركية التي يطلبها الجانبان، لضمان حسن التنفيذ مستقبلاً، في حين تسعى الإدارة الأميركية الى التريّث قليلاً قبل إعطاء الضوء الأخضر لإطلاق هذا المسار، تحقيق تقدم ملموس على المسار الفلسطيني – الاسرائيلي أولاً، لقناعتها أنه من الضروري التحرك بفاعلية على هذا المسار قبل غيره، لاستيعاب المواقف المعترضة والتي تسعى باستمرار للنفاذ من هذا المسار لتعقيد الحلول المطروحة وتعطيلها·
وظهر أن التقدم السريع على المسار السوري – الاسرائيلي، لايحظى برضي وموافقة الجانب الإيراني، الذي يرفض التطرق الى هذه المسألة، لا من قريب أو بعيد، رفضاً أو قبولاً، ولم تفلح كل محاولات الالتفاف الإيرانية والتحركات الاستباقية في وقف الاندفاعة السورية التي تواكبها حركة تركية فاعلة، في اتجاه مسار السلام مع اسرائيل، مما أدى الى استياء إيراني من هذا التصرّف السوري الانفرادي، لان طهران كانت تسعى باستمرار لابقاء اي تحرك سوري باتجاه عملية السلام نحو اسرائيل، معلقاً في انتظار ما ستؤول اليه الاتصالات الايرانية – الاميركية من نتائج ووفق ما يحقق الجانب الايراني من اعتراف دولي، بدوره السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة العربية، وليس قبل نضوج هذه الاتصالات بشكلها النهائي·
ويذهب دعاة هذا الاستنتاج الى ان الاندفاعة السورية في اتجاه عملية السلام، لم تزعج طهران فحسب، بل امتدت تداعياتها الى حزب الله الذي وجد نفسه فجأة وسط هذه المتغيرات المتسارعة، فهو لا يستطيع الخروج عن التوجه الايراني الرسمي، من جهة، ولا يستطيع ان يعترض او يرفض الاندفاعة السورية باتجاه السلام مع اسرائيل، بل اكثر من ذلك، فهو يتجنب حتى التعليق المباشر، ويكتفي باعطاء اشارات اعتراضية غير مباشرة، كما يرد في خطب ومواقف الامين العام للحزب الاخيرة·
ويرجح دعاة هذا الاستنتاج السياسي، بأن ما يحدث على المسار السوري الاسرائيلي، هو الذي يحكم توتر الحزب في هذه المرحلة، لأن اي تقدم ملموس ونهائي على المسار المذكور، سيحدث تأثيره بشكل أو بآخر على وضعية الحزب ومستقبله في لبنان·
ويخلص اصحاب الاستنتاج هذا الى القول، انه مهما كانت الاسباب الكامنة وراء اعتماد الامين العام لحزب الله لهذا الخطاب العالي النبرة، في هذه المرحلة الفاصلة عن موعد الانتخابات النيابية، فإن أولى نتائجه السلبية، ظهرت في اعادة الالتفاف لشريحة كبيرة من الناخبين حول خصومه السياسيين، في حين لوحظ انكفاء ولو بشكل محدود عن حلفائه، وخصوصاً السنّة والمسيحيين في مختلف المناطق·