في انتظار الاتفاق على تعديل الدستور وتعزيز صلاحيات الرئاسة
المطلوب تمكين سليمان من ممارسة ما تبقّى منها
الجدل القائم حول صلاحيات رئيس الجمهورية هو جدل عقيم في الوقت الحاضر وفي الظروف السياسية غير الملائمة لفتح هذا الباب ولا بد من انتظار الظروف الملائمة لذلك. واستمرار هذا الجدل في رأي اوساط سياسية لا يعدو كونه مزايدات سياسية وانتخابية واظهار غيرة زائدة ومشبوهة لدى بعض المعارضة والذي يقول شيئاً ويضمر شيئاً آخر.
لذلك يرى مرجع ديني ان يتم تطبيق اتفاق الطائف تطبيقاً دقيقاً كاملاً ثم ينظر في التعديلات التي تظهرها الممارسة من وجود شوائب وثغر. وعندما يكتمل تطبيق اتفاق الطائف وتصبح الظروف السياسية مؤاتية للبحث في التعديلات ينبغي تمكين رئيس الجمهورية من ممارسة ما تبقى له من صلاحيات بدون عوائق وعراقيل، فلا يظل يواجه بعد الانتخابات المقبلة وعند تشكيل الحكومة الاولى، ما واجهه عند تشكيل الحكومة الحالية، تسهيلاً لمهمته ومهمة الرئيس المكلف، فتوافق المعارضة وتحديداً الزعماء الموارنة فيها الذين يبدون "غيرة مفرطة" على صلاحيات الرئيس مثل العماد ميشال عون والنائب السابق سليمان فرنجيه، ان يكون لرئيس الجمهورية الثلث الوازن من عدد الوزراء ما داموا يعتبرون ان حصته التي صار تحديدها بثلاثة وزراء في مؤتمر الدوحة، هي حصة ضئيلة لا تمكنه من ان يكون حاكماً ولا حتى ان يكون حكماً.
وعوض الدخول في مشكلة زيادة صلاحيات رئيس الجمهورية عند تشكيل الحكومة اما باعادة منحه حق تعيين الوزراء وابقاء تعيين رئيس الوزراء خاضعاً للاستشارات الملزمة، بحيث يضمن لنفسه من خلال هذا التعيين اكثرية وزارية له، او يتم تحديد مهلة لرئيس الحكومة المكلّف تشكيل الحكومة حتى اذا ما انتهت صار تكليف سواه. فليوافق الزعماء في قوى 8 آذار وفي قوى 14 آذار ولا سيما المسيحيون على ان يكون ثلث العدد الذي تتألف منه الحكومة لرئيس الجمهورية وليس لاي تكتل آخر معارضاً كان ام موالياً، بحيث يستطيع من خلال هذا الثلث ان يكون رئيساً حاكماً فعلاً حيث يجب، وان يكون حكماً في الخلافات حيث يجب. وهذا من شأنه ان يجعل رئيس الجمهورية شريكاً فاعلاً مع الرئيس المكلف في تشكيل الحكومة بدل ان تقتصر شراكته على الموافقة او عدم الموافقة على التشكيلة الوزارية عندما تعرض عليه، حتى اذا رفض توقيع مرسوم تشكيلها لانها غير مقبولة منه لاي سبب من الاسباب، فلا يكون لموقفه السلبي خلفيات سياسية او طائفية، يقصد بها عرقلة مهمة الرئيس المكلف ليس الا.
ولكن هل الزعماء في قوى 8 آذار والمتحالفين معها وتحديداً الموارنة، مستعدون لاعطاء رئيس الجمهورية ثلث عدد الوزراء الذي تتألف منه الحكومة اذا كانوا فعلاً غيورين على الرئيس وصلاحياته كما يدعون ويطرحون اقتراحات تعزيز هذه الصلاحيات ربما ليس حباً بها انما لإحراج الزعماء المسلمين ولا سيما في 14 آذار ولمزايدات سياسية وانتخابية؟
فلو انهم يريدون فعلاً تعزيز هذه الصلاحيات لكانوا وافقوا على تفويض الرئيس سليمان تعيين من يرى فيهم الكفاية والجدارة لوظائف الفئة الاولى ولما كانوا يلجأون الى تعطيل التعيينات في مجلس الوزراء عند التصويت عليها. فإما ان يكون لهم ثقة بالرئيس فيفوضون اليه ذلك واما لا يكون لهم ثقة به، وعندئذ كيف يكونون صادقين مع انفسهم عندما يطالبون بتعزيز صلاحياته، ليكون حاكماً او حكماً من خلالها؟ وكيف يكونون صادقين مع انفسهم عندما يشاركون في تعطيل الانتخابات الرئاسية مدة ستة اشهر، وابقاء اعلى منصب ماروني في الدولة شاغراً وهو ما لم يحصل في تاريخ الانتخابات الرئاسية حتى في زمن الحروب، اذ جرى انتخاب رؤساء في الموعد الدستوري، تحت القصف المدفعي واحياناً خارج مقر مجلس النواب؟
وكيف يكونون صادقين مع انفسهم عندما يعرقلون تشكيل حكومة ما يسمى "وحدة وطنية" ثم يرضخون لما يقرره مؤتمر الدوحة ولو بمخالفة الدستور، واعطاء حصة صغيرة لرئيس الجمهورية لا تتعدى الثلاثة وزراء ولا يطالبون له بحصة اكبر؟ وكيف يكونون مع استعادة حقوق المسيحيين بقبول العودة الى قانون الـ 60 الذي ابقى مرشحين مسيحيين في بعض الدوائر يخضع فوزهم لأصوات المسلمين، ولم يطالبوا باعتماد الدائرة المصغرة او النظام النسبي الذي يحفظ حق كل مرشح ويعطيه حجمه الحقيقي، ولا يستعير حجم زعيم اللائحة او رئيس هذا الحزب او ذاك؟ وكيف يكونون صادقين مع انفسهم عندما يطالبون بتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية فيما هم لا يمكنونه من اصدار التعيينات الضرورية والملحة ويربطونها بالموازنة، حتى اذا صار تفاهم على هذه الموازنة فإنه يخشى ان يربطوها بحل ازمة الشرق الاوسط. لا لشيء الا لعرقلة سير عجلة الحكم وتحويل رئيس الجمهورية الى "خيال صحرا" لا عمل له سوى ان يستقيل ويودع… فقبل ان يطالبوا بزيادة صلاحيات الرئيس فليمكنوه اولاً من ممارسة ما تبقى من صلاحياته…
واذا كان الرئيس سليمان يشكو من الوضع الشاذ الذي لا تزال تعيش فيه البلاد وهو امتداد لوضع ساد السنوات الثلاث الاخيرة، فإنه يأمل في ان يتخلص من هذا الوضع بعد الانتخابات بحيث تأخذ اللعبة الديموقراطية مجراها الطبيعي ويعود الاحتكام الى الدستور والى المؤسسات لحسم الخلافات.