لا، ليس مدخلاً !
تكتسب زيارة نائب الرئيس الاميركي جو بايدن للبنان اهمية مزدوجة، سواء في ما يتعلق بنظرة واشنطن الى بيروت، او في ما يتصل بموقع لبنان من صفقة التسوية الشاملة التي تقوم الادارة الاميركية الآن بوضع اللمسات الاخيرة عليها، في وقت يواصل بنيامين نتنياهو السعي لافشالها ودفنها !
والواقع ان مجيء بايدن قبل 13 يوماً من وصول الرئيس باراك أوباما الى القاهرة، التي اختارها محطة لمخاطبة الدول العربية والاسلامية ولاعلان خطته للتسوية الشاملة في الشرق الاوسط، يشكّل تمييزاً له معناه المهم في ما يتصل بـ"المسار اللبناني" الذي يملك خاصية مختلفة عن المسارين الآخرين، السوري الذي انخرط في مفاوضات غير مباشرة وبرعاية تركية مع اسرائيل، والفلسطيني الذي ينخرط في التفاوض الذي يشبه الركض وراء السراب !
❑ ❑ ❑
عندما يقول بايدن إنه يحمل تأييد أوباما وادارته للبنان وسيادته ورئيسه ومؤسساته الدستورية وللمحكمة الدولية ويؤكد التزام تسليح الجيش، فإن ذلك لا يضيف شيئاً الى كلام وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون الذي سمعناه في بيروت قبل 24 يوماً، عندما زارتنا في 26 نيسان الماضي، وهو بالمناسبة تاريخ انسحاب القوات السورية من الاراضي اللبنانية.
أما عندما يقول "إنها ليست صدفة ان آتي الى لبنان"، فإن ذلك يمكن ان يفسر بأكثر من طريقة. ومنها:
❑ اولاً: ان لبنان يبقى له، مع ادارة أوباما، موقعه الخاص في خريطة الديبلوماسية الاميركية التي كانت في الماضي، قبل عام 2005، تعبر الحدود الى لبنان من سوريا لرفع العتب فحسب. وقد قيل يومها اميركياً: لماذا نسمع الخطاب عينه مرتين، اولاً في دمشق ثم في بيروت؟
❑ ثانياً: ان لبنان سيكون له موقعه في اي مؤتمر للتسوية، في وقت يقول ديبلوماسيون في واشنطن إن أوباما يريد عقد "كامب ديفيد – 2" للسلام الشامل في المنطقة.
ولكن لبنان، الذي يطالب بانسحاب العدو الاسرائيلي من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، لن يكون اطلاقاً كما قال بايدن "مدخلاً للسلام" لانه يتمسك بموقفه الثابت والمعروف، اي انه اول من يقاتل اسرائيل وآخر من يدخل التسوية معها.
❑ ثالثاً: لا يمكن عملياً تجاوز موقف "حزب الله" وبعض اوساط المعارضة الذي انتقد الزيارة ورأى انها "مثيرة للريبة وتشكل تدخلاً في شؤون لبنان له خلفيات انتخابية".
واذا كان من المهفوم ان ينتقد "حزب الله" زيارة بايدن، فمن المفهوم في المقابل ان تكون رغبة اميركا هي ان يفوز تحالف 14 آذار في الانتخابات، رغم الحرص على القول إن واشنطن لا تتدخل، والشعب اللبناني وحده هو الذي يقرر.
أما عندما يقول "إن سيادة لبنان لا يمكن المتاجرة بها"، فإن علينا جميعا في هذا البلد، سواء كنا في 14 او 8 آذار، ان نتذكر اننا نحن الذين علينا ان نقرر عدم المتاجرة بسيادتنا، وخصوصاً بعدما سبق ان سمعنا من الاميركيين والايرانيين والسوريين ما يجعل من لبنان ساحة لصراع الاستراتيجيات على المستوى الاقليمي والدولي.
❑ ❑ ❑
واذا كانت زيارة بايدن قد شكلت ايضاً دعماً للدولة وللرئيس ميشال سليمان الذي يتعرض لهجمة شرسة من البعض في قيادات المعارضة، فإن الرئيس اللبناني كان واضحاً في امور مهمة جداً ومنها:
❑ اولاً: تأكيد رفض لبنان المطلق لأي شكل من اشكال التوطين. وهذا موقف ضروري جداً، وخصوصاً الآن في ظل ما تسرب من معلومات توحي ان التوطين قد يشكل بنداً اساسياً في خطة التسوية التي سيحملها أوباما.
❑ ثانياً: اطلاع بايدن على اعتداءات اسرائيل وخرقها المتمادي للقرار 1701، سواء عبر شبكات التجسس او عبر انتهاك الفضاء اللبناني، او من خلال ما تهيّئ له المناورات الاسرائيلية من استهداف للبنان.
❑ ثالثاً: تأكيد تمسك بلبنان بالحل العادل والشامل على اساس القرارات الدولية ومؤتمر مدريد والمبادرة العربية للسلام.
وهكذا كان من المفيد ان يصل بايدن الى بيروت قبل اسبوعين من وصول أوباما الى القاهرة، للاعلان عن خطته للتسوية، على الاقل لأنه اكد ثبات الحضور اللبناني المستقل على خريطة الديبلوماسية الاميركية التي تنخرط الآن في فتح حوار مع دمشق وطهران، ولأنه سمع من سليمان رفض لبنان الجازم للتوطين وللاعتداءات الاسرائيلية السافرة.
أما في ما يتعلق بالانتخابات، فإن خطوط الطول الاميركية مثل خطوط العرض الايرانية والسورية، ونحن في زمن لم يعد في الكرة الارضية بلد لا تتقاطع فيه خطوط التأثير طولاً وعرضاً. لكن المهم هو خط "الاستواء" الوطني عند اللبنانيين.