#adsense

“الجمهورية الثالثة” تستدعي شرحاً واضحاً تبديداً للمخاوف

حجم الخط

بعدما كثُرت التفسيرات لأهداف الدعوة إلى قيامها وأبعادها
"الجمهورية الثالثة" تستدعي شرحاً واضحاً تبديداً للمخاوف

هل كتب للبنان ان تفرض عليه اتفاقات بعد تخييره بين القبول بها بعلاتها، او مواجهة حروب داخلية كلما قامت فيه جمهورية جديدة؟ فالجمهورية الاولى قسمت اللبنانيين بين من يريد ان يكون الاستقلال تاما ناجزا، ومن يريد حمايته بمعاهدة تعقد مع فرنسا، ومن يريد أن يكون لبنان عربيا، ومن يريد أن يوصف لبنان بذاته، الى ان تم التوصل الى اتفاق غير مكتوب عرف بـ"ميثاق 43" جعل وجه لبنان فقط عربيا بحيث لا تلتفت فئة من اللبنانيين نحو الغرب طالبة حماية فرنسا ولا تلتفت فئة أخرى نحو الشرق طالبة الوحدة مع سوريا. وقد وصف الصحافي المعروف جورج نقاش يومذاك الميثاق – التسوية بـ"سلبيتين لا تؤلفان أمة" مع انها طمأنت المسيحيين المؤيدين للاستقلال المشروط بإعطائهم ضمانات تحفظ بموجبها المناصب المهمة في الدولة لهم وتبقي على نسبة 5 الى 6 في اقتسام الوزارات والمقاعد النيابية والوظائف، لكن دخول عدد من المسلحين الفلسطينيين كان بداية نهاية الجمهورية الاولى، اذ ان اللبنانيين انقسموا بين من هم مع هؤلاء المسلحين ومن هم ضدهم، ومن أجل تفادي وقوع صدام مسلح لبناني – فلسطيني، تم التوصل الى اتفاق عرف باتفاق القاهرة وقد انقسم اللبنانيون حوله ايضا، فاعتبرت فئة منهم ان هذا الاتفاق ينتهك السيادة الوطنية ويعتدي على سلطة الدولة. وقد عرّض هذا الاتفاق الجنوب اللبناني لسلسلة اجتياحات اسرائيلية بلغ أحدها العاصمة بيروت، بعدما أشعل حرب السنتين وفرض اتفاق 17 ايار الذي ما لبث ان سقط تحت ضغط الشارع رغم موافقة الاكثرية النيابية عليه، لان اسرائيل ربطت انسحاب قواتها من الجنوب بانسحاب القوات السورية من لبنان، وهو ما جعل سوريا تقف بشدة ضد هذا الاتفاق، لأنه مسّ في نظرها ما لا يُمسّ وهو وجودها العسكري في لبنان.

وكلف قيام الجمهورية الثانية خسائر بشرية ومادية فادحة وحربا اختلطت فيها عوامل الداخل مع عوامل الخارج، وهي حرب لم تتوقف إلا بعد التوصل الى اتفاق الطائف الذي خيّر من لهم تحفظات عنه بين القبول به بعلاته او عودة الحرب، وهو ما جعل البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير يقارن بين الشرين فاختار الشر الأهون وهو القبول ولو على مضض بالاتفاق، وإن كان قد قلص صلاحيات رئيس الجمهورية ونقل الجزء المهم منها الى مجلس الوزراء مجتمعا. وكان سبق ذلك دخول القوات السورية الى لبنان لوقف الاقتتال فيه وخروج المسلحين الفلسطينيين منه الى تونس بموافقة عربية وأميركية وقبول اسرائيلي، فقبضت سوريا ثمن قيامها بكل ذلك وصاية على لبنان دامت 30 عاما خصوصا بعدما فشلت "حرب التحرير" التي أعلنها العماد ميشال عون في تحقيق أهدافها، وهي حرب لم تنته بإخراج القوات السورية من لبنان كما أراد بل باخراجه هو من قصر بعبدا الى المنفى في فرنسا، بعد ضربة عسكرية سورية خاطفة وبعد أن رفض الخروج من القصر بالحسنى، فكانت الفرصة سانحة لهذه القوات لدخول قصر بعبدا ووزارة الدفاع والاستيلاء على كل الملفات السرية. كما ان اصرار العماد عون على رفض تسليم قصر بعبدا للرئيس المنتخب رينيه معوض، ثم بعد اغتياله رفض تسليمه الى الرئيس الهراوي، الى ان كانت الضربة العسكرية السورية الخاطفة.

وجعلت "حرب الالغاء" بين عون و"القوات اللبنانية" قيادات مسيحية تذهب الى الطائف وهي مهزومة سياسيا وعسكريا لتقبل مكرهة باتفاق قلص صلاحيات رئاسة الجمهورية. فلو لم تقع "حرب التحرير" لما حلَّ الدمار والخراب بما كان يسمى "المنطقة الشرقية"، ولو أن العماد عون سلم قصر بعبدا طوعا للرئيس المنتخب، لما كانت سوريا أقدمت بعد موافقة اميركية واسرائيلية على اخراجه منه بضربة عسكرية، وادخال مزيد من قواتها الى لبنان لتجتاح القصر الجمهوري ووزارة الدفاع، ولما كان اتفاق الطائف قد قلص صلاحيات رئيس الجمهورية. إن الحروب الداخلية، ولا سيما "حرب التحرير" و"حرب الالغاء"، فانقسام البيت المسيحي على نفسه هي الذي أضعفت أهل هذا البيت، ومعلوم ان كل بيت ينقسم على نفسه يخرب…
وها ان العماد ميشال عون يدعو الآن الى اقامة الجمهورية الثالثة ولو على أنقاض الجمهورية الثانية التي انبثقت من اتفاق الطائف، وإن كان الصحيح أنها كانت الجمهورية الثالثة وليست الثانية، من دون أن يشرح للناس بماذا تتميز هذه الجمهورية عن غيرها: هل تقوم على أساس دستور جديد بديل من دستور الطائف، أم على أساس تحسين هذا الدستور وتحديثه؟ لانه ليس في "التيار الوطني الحر" مفهوم واحد لهذه الجمهورية. فبعضهم يقول ان المقصود منها هو الاصلاح ومكافحة الفساد وتغيير ما ينبغي تغييره سواء بالاشخاص او بالقوانين. وبعضهم الآخر يقول ان المقصود باقامة "الجمهورية الثالثة" هو وضع دستور جديد للبنان قد يكون رئاسيا بحيث ينتخب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة أو بنظام شبه رئاسي، مع الغاء الطائفية السياسية بحيث يصبح باب الترشح للرئاسات الثلاث مفتوحا امام جميع المذاهب والطوائف، ويتحقق عندئذ ما دعت اليه بعض صحافة ايران منذ مدة ومنها صحيفة "كيهان" المقربة من المرشد الاعلى للثورة الاسلامية آية الله علي خامنئي "الى تغيير موازين السلطة في لبنان لمصلحة الطائفة الشيعية" وأنه في ظل النظام الاستراتيجي الجديد الذي برز في الشرق الاوسط صار واجبا ان يكون للشيعة في لبنان، ليس للشيعة اللبنانيين، أكبر حصة في المؤسسات الحكومية والرسمية. لهذا من الضرورة تغيير المؤسسات فيها وأول ما يجب تغييره هو اتفاق الطائف". ويضيف المقال: "ان الشيعة يمثلون اليوم أربعين في المئة من السكان اللبنانيين ويشغلون اربعين في المئة من الارض اللبنانية وهم المجموعة الاكثر وحدة وتوحدا فيه وصارت قوتهم العسكرية الاقوى في هذه المنطقة من العالم العربي، لهذا كله يجب ان يكون لهم التمثيل الاكبر والاوسع في الحكومة وفي البرلمان وفي كافة المؤسسات اللبنانية".

فهل يعي "التيار الوطني الحر" كل ذلك وهو يدعو الى قيام "جمهورية ثالثة" قد يكلف قيامها مع وجود الشحن المذهبي والطائفي القوي، حروبا جديدة او 7 أيار جديد تلحق بلبنان خسائر فادحة لم يعد في وضعه الاقتصادي والمالي الهش يتحمل ولو جزءا ضئيلا منها؟ وهل يعتقد "التيار الوطني الحر" في حال قيام هذه الجمهورية ان تدوم وتكون "الثالثة ثابتة" كما يدعي في شعاراته؟

لذلك، مطلوب من "التيار الوطني الحر" وتحديدا من رئيسه العماد عون ان يفسر للبنانيين ما هو المقصود من الدعوة الى قيام "جمهورية ثالثة" بوضوح وصراحة وبدون أي ليس وغموض لئلا تظل تعطى للدعوة الى قيامها تفسيرات شتى حتى داخل "التيار" وداخل الاحزاب الحليفة له. فاذا كان قيام الجمهورية الاولى لمصلحة المسيحيين، وكان قيام الجمهورية الثانية لغير مصلحتهم، فلمصلحة من سيكون قيام الجمهورية الثالثة خصوصا اذا بات العدد هو الذي يؤخذ به وليس التعددية؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل