الطاقة الهجومية التي اكتسبها "حزب الله" من حرب تمّوز استخدمها في "الاعتصام" و"7 أيّار" ونضبت الآن
8 آذار يحتفظ لنفسه بـ"حق تعطيل الاستحقاق".. أو نسف عملية الفرز!
ليس سليماً القول بأنّ الوضع السياسيّ سينقلب رأساً على عقب إن فازت "قوى 8 آذار" في الإنتخابات، لكنّه لن يتبدّل أبداً إذا ما فازت "قوى 14 آذار".
إذا ما خسرت "قوى 8 آذار" في الإنتخابات، وفشلت في انتزاع الأكثريّة المطلقة من عدد النوّاب، فسيُكون لذلك وقع الزلزال الذي لا يقارن إلا بالسابقة التي أحدثتها "إنتفاضة الاستقلال" عام 2005.
وإذا ما فازت "قوى 14 آذار" في الإنتخابات، أي انتزعت الأكثريّة المطلقة من عدد النوّاب بمؤازرة القوى والشخصيات المتحالفة معها، فإن انتصارها سيتجاوز حدّ ترجمة البنود التي تضمّنها برنامجها الإنتخابيّ. سيعاد حينها تحريك القضية المركزيّة التي يثيرها وجود الجسم الشموليّ ـ المسلّح، النصف إنقلابيّ والنصف إنفصاليّ، في الجسد اللبنانيّ.
منذ نهاية "حرب تمّوز" ثمّة موجة هجوميّة مندفعة بأفق نصف إنقلابيّ نصف إنفصاليّ تهدّد النظام السياسيّ والوحدة الكيانيّة اللبنانيّة. كانت هذه الموجة وراء "الإعتصام الأمنيّ الدائم" لعام ونصف، ووراء تعطيل إنتخابات رئاسة الجمهورية وفقاً للمهل الدستوريّة، ووراء الإستباحة الدمويّة للعاصمة في 7 أيّار. لكن ما يحدث منذ توقيع "صلح الدوحة" وإلى اليوم، أنّ هذه الموجة الهجوميّة وصلت إلى حدّ ليس من المستطاع تجاوزه، بل صارت في الآونة الأخيرة تخاف على نفسها من النضوب والتلاشي.
وفي هذا الإطار، تبدو الإنتخابات أكثر من مصيريّة لأنّها، وخصوصاً إذا ما جاءت النتائج لصالح "ثورة الأرز" والحراك الإستقلاليّ، فسيكون ذلك إشعارا بالنضوب العام للموجة الهجوميّة المتوتّرة التي تفلّتت في أعقاب "حرب تمّوز"، تلك الموجة التي لم تكن عمليّة 7 أيّار إلا من تداعيّاتها غير المباشرة. 7 أيّار هو لازمة "الإنتصار الإلهيّ"، وبهذا المعنى ينبغي فهم الدوافع "التمجيدية" عند "حزب الله".
قبل "حرب تمّوز" كانت "ثورة الأرز" في حالة هجومية، هذا إذا ما نظرنا إلى المحصّلة الإجماليّة العامّة. استطاعت "ثورة الأرز" بهجومها أن تسحب القوات السوريّة من لبنان، وأن تطيح شبكة "النظام الأمنيّ"، وفشلت في تقصير الولاية الممدّدة للرئيس إميل لحّود وإن أعادت تحريك القضية في 14 شباط 2006، كما فشلت في الدفع بـ"حزب الله" بإتجاه خيارات من وحي الصيغة اللبنانيّة، وإن حاولت ذلك بشكل حثيث مع الإنعقاد الأوّل لـ"طاولة الحوار".
بعد "حرب تمّوز" انعكست الآية. تحوّلت "قوى 8 آذار" إلى الهجوم. انكفأت "قوى 14 آذار" إلى وضعيّة دفاعيّة. كان "الدفاع" لسان حالها على كل صعيد: الدفاع عن الإستقلال اللبنانيّ، الدفاع عن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى، الدفاع عن الذات في وجه عمليّات الإغتيال، الدفاع عن خطّ المحكمة الدوليّة.
إلا أنّ 7 أيّار، وهو ذروة مرحلة الهجوم، لم يستطع أن يمنح "حزب الله" و"8 آذار" القدرة على إعادة شحن الطاقة الهجوميّة التي فجّرتها "حرب تمّوز". والحق أن "حزب الله" اليوم لا يعتاش على ذكرى 7 أيّار، لأنّها لم تولّد طاقة هجوميّة جديدة، وإنما يعتاش على ذكرى "حرب تمّوز" التي شكّلت المولّد المركزيّ للطاقة الهجوميّة في السنوات الأخيرة.
واليوم، يدرك "حزب الله" تماماً ـ ومن خلفه كامل فريق "8 آذار" ـ أنّه بأمس الحاجة لإعادة شحن هذه البطاريّة الهجوميّة، وهو ما يفسّر إلى حدّ كبير توتّره التصاعديّ عشيّة الإنتخابات.
ما يحدث حالياً هو أنّ "حزب الله" يبحث عن مصادر بديلة لإعادة شحن طاقته الهجوميّة، بعد أن أشرفت الطاقة المتوتّرة لـ"حرب تمّوز" على النضوب. لكن من أين يأتي هذا الحزب بطاقة جديدة، تمكّنه هذه المرّة من الإنتقال من مرحلة "مواكبة الدولة" إلى مرحلة "سوقها مخفورة" أي "حسم" الصراع على لبنان لصالحه وفرض "الحل النهائي"؟!
لن يكتسب "حزب الله" مصادر بديلة عن طاقة "حرب تمّوز" التي بدأت تنضب، لا بفعل إطلاق الضباط الأربعة، لا بفعل تمجيد 7 أيّار، ولا بفعل الإستكبار على الـ 10452 كلم مربع.
هو كحزب أمنيّ يحتاج إلى طاقة ذات مصادر أمنيّة، وليس إلى طاقة مصنّعة كلاميّاً، مهما بلغت حدّة العنف الكلاميّ. لكنّه كحزب أمنيّ أيضاً، أعلن تقبّله للقرار 1701 الذي يوجد وضعية "ملتبسة" جنوب الليطانيّ ما يحظّر "نظرياً" تكرار "حرب تمّوز"، كما وقّع على إتفاق "الدوحة" الذي يحظر تكرار فعلة 7 أيّار، بل إن الدوحة إتفاق يدين هذه الفعلة أخلاقياً ولو تقبّل البعض من نتائجها سياسيّاً.
في ظلّ هذه الوضعيّة الضاغطة، ولأجل إعادة شحن بطاريّته الهجوميّة، لن يجد "حزب الله" ضالّته في غير محاولة تعطيل الإنتخابات. وسيعينه على ذلك استنفاره العام في المناطق التي يسيطر عليها منذ عقود، فضلاً عن تصديره "ماكينته الإنتخابية" خارج فضاءه الأهليّ، وبشكل أساسيّ اختراقه بها للجغرافيا المسيحية.
يعلم "حزب الله" أنّ الإنتخابات إن جنحت بإتجاه 14 آذار فسيعاد شحن البطارية الهجوميّة للأخيرة ولسنوات طويلة، وأنّه ما من حرب في المستقبل القريب يكّرر فيها سياق نتائج "حرب تمّوز"، بالمؤثّرات الدراميّة نفسها، لإعادة شحن البطاريّة الهجوميّة لـ"8 آذار".
بالتالي، فإن العقل الأمنيّ لـ"حزب الله" و"8 آذار" لن يجد مصدراً فعالاً للطاقة الهجوميّة غير تعطيل المصدر الذي يمكن أن تكتسبه "14 آذار" في حال فوزها في الإنتخابات.
عند "حزب الله" إذاً حاجة "حيويّة" لتعطيل العمليّة الإنتخابيّة، حاجة تتخطّى مجرّد فوز طرف أو هزيمة آخر، حاجة لا يمكن فهمها إلا بالإستناد إلى المطامع المعبّر عنها مؤخراً في إحلال نظام سياسيّ بديل عن النظام الدستوريّ.
وتكبر مصلحة تحالف "8 آذار" وحزبه "الطليعيّ" في تعطيل الإنتخابات كلّما كانت النتائج غير واضحة سلفاً. غير أنّ ما يريده هذا التحالف الآن هو الإيحاء لنفسه وللآخرين، وتحت يافطة "الإستنفار العام" في وجه العدوانية الإسرائيلية (كأنّ الأخيرة لن تكون عدوانية إلا عشيّة الإنتخابات اللبنانية)، بأنه يمتلك "حق تعطيل" ليس فقط الإستحقاق، وإنّما بشكل أساسيّ "عمليّة الفرز".
تنظيم الإنتخابات في يوم واحد يوجد وضعية صعبة أمام من يريد التلاعب بنتائجها، وأمام من يريد الضغط على الجولة التالية تبعاً لنتائج الجولة السابقة. لأجل ذلك، فإن الثقل التعطيليّ ـ الإنقلابيّ سينصبّ على عمليّة الفرز، وهو ما يفرض منذ الآن ضوابط استباقية فعّالية لحماية هذه العمليّة، وأوّل هذه الضوابط الإنتباه بأنّها مرحلة حسّاسة للغاية، وينبغي أن تنشدّ إليها كل عدسات العالم: ثمة من قد يتقبل إجراء الإنتخابات، لكنه لن ينتظر النتائج ليعطّلها، بل يستعدّ منذ الآن لخيار نسف، عملية الفرز، ومن ينسف هكذا عملية لا يعرف بعد ذلك عند أي حدّ يوقف سياسته "الناسفة".