بين التهدئة والتصعيد
…. في وقت يطلق رئيس "المستقبل" الشيخ سعد الحريري، ورئيس "اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط خطاباً سياسياً هادئاً، يطلق فريق الثامن من آذار خطاباً سياسياً تهويلياً يحمل كمّاً هائلاً من التهديد والوعيد، واللبناني بصورة عامة قادر على التمييز، وهو بطبيعته يرفض الخطابات الانفعالية البعيدة عن قضاياه، والتي لا تراعي مصلحة وطنه.
… الحريري يطلق من إقليم الخروب خطاباً يؤكد فيه ان تيار المستقبل هو قلعة الاعتدال المنيعة لمواجهة أي تطرف ديني أو مذهبي، وحتى سياسي، ويعلن ان "مشروعنا هو مشروع الدولة والعيش المشترك والحياة الواحدة"، ثم يضيف ان "مشروع «المستقبل» هو العلم والحياة الحرة الكريمة لرفع مستوى العيش"، وفي الوقت عينه يحذر رئيس اللقاء الديموقراطي وليد جنبلاط "من لعبة الامم، ومن تحريف العدالة أو استخدامها لغير ما آمنا به"، مؤكداً "اننا لن نسمح لهم بإعادتنا الى السجن الكبير"، ويحذر جنبلاط أيضاً من الشائعات والتسريبات التي تهدد صون العدالة.
.. بهذا المنطق الهادئ والوطني بامتياز يتم إطلاق الخطاب السياسي الذي يحمل مستوى رفيعاً بعيداً من التشنج والانفعالات، وللإنصاف أيضاً فإن الرئيس نبيه بري لم يخرج عن هذا الإطار، إذ شدد في كلمته امس على الوحدة الوطنية والشراكة، مؤيداً النائب وليد جنبلاط في مواقفه.
.. في المقابل، يطلق ميشال عون ومن كسروان خطاباً تشكيكياً، فيكرر معزوفته عن الفساد، ويعلن انه سيقوم بعملية محاسبة واسعة، وسيعاقب كل الذين يتهمهم بالفساد، وتلازم هذا مع خطاب للنائب السابق سليمان فرنجية هدد فيه منافسيه في زغرتا بأنه سيمنعهم من الترشح مرة أخرى للانتخابات، في وقت استمر "حزب الله" حملته على الاكثرية، محذراً على لسان النائب محمد رعد من ما سماه الارتهان الى اميركا، قائلاً، إن هذا الدعم الاميركي الذي يعطى بشروط ليتخلى اللبنانيون عن الخيار الوطني سيكون وقوداً تستعر به النيران.
… المقارنة هنا بين خطابين سياسيين تظهر الفارق الكبير بينهما، إذ أن الاول خطاب مسؤول هادئ، يضع النقاط على الحروف من دون أي تشنج، بل ان هذا الخطاب ذهب الى أكثر من ذلك عندما عطل لغم صحيفة "دير شبيغل" الالمانية، مشدداً على السلم الاهلي، ومؤكداً على العدالة والمحكمة الدولية، بينما الخطاب الثاني جاء متشنجاً، ولم يخل أبداً من تهديد الآخرين بالويل والثبور، ولم يجد أركان المعارضة بداً من إيهام الناس بأن هناك فساداً يجب محاربته، علماً وكما هو معروف فهناك ألف علامة استفهام حول قضايا كثيرة ارتكبها الجنرال ميشال عون، ومنها قضية الأموال المحوّلة الى باريس أيام كان رئيساً للحكومة الانتقالية العسكرية، وهذا ما تم نشره سابقاً في صحف لبنانية وعربية وفرنسية.
.. اللبنانيون، في هذا المعنى، أمام ثقافتين، احداهما تدعو الى الإنماء والإعمار والعلم والعمل وتحصين لبنان من أي اختراقات، وقيام دولة قادرة وقوية لجميع اللبنانيين، وجعل الحوار الوطني سبيلاً لحل أزمات البلد، وأخرى تدعو الى ثقافة الموت والتهويل والتشكيك والتخوين وتجهيل الناس، ومنع كل أسباب الحياة عنهم، وإبقاء الوطن ساحة للصراعات الخارجية والخ…
خطابان متناقضان ومتضاربان لا يعوز اللبناني الكثير من التفكير كي يميز بينهما، وهما في النتيجة يعكسان الصورة الأوضح عن كلا الفريقين وما يمثلان، بل الأكثر من ذلك، فإن كل خطاب منهما يعطي الصورة الأوضح عن طريقة كل طرف في ترجمة رؤيته المستقبلية، وفي النتيجة، فإن ما يجري اليوم هو صراع بين ثقافة الموت التي تقوم على أساس الفتن المستمرة والمتواصلة والحروب التي لا تنتهي، وثقافة الحياة التي يتم تأسيسها بقيام دولة ترعى جميع مواطنيها، والتشديد على العلم والعمل والبناء والإعمار.