لماذا أصرّ باسيل على إنزال 800 الف خط خلوي جديد الى السوق اللبنانية؟
تفاصيل عن عمليات توزيع أرقام خلوية على المقربين لجني أرباح طائلة
وقرارات مفاجئة بقطع خطوط دفع أصحابها آلاف الدولارات ثمنا لها!
(تحقيق يتضمن وثائق)
يوم شغل الوزير السابق سليمان فرنجية مهام وزارة الداخلية ظهرت قصة الأرقام المميزة للسيارات والتي تم توزيع حوالى 23 ألف رقم منها على محاسيب الوزير. أما اليوم فيبدو أن ثمة قضية مماثلة تطال وزارة الاتصالات وتتعلق بأرقام الخلوي المميزة التي يتم توزيعها على المحاسيب. فما هي تفاصيل القضية التي تكاد تتحوّل فضيحة مدوّية؟
لم يستوعب اللبنانيون بعد أسباب الأعطال الهائلة التي تصيب شبكات الهاتف الخلوي. فحتى ما قبل وصول الوزير جبران باسيل الى الوزارة كانت نوعية الاتصالات أكثر من مقبولة، أما مصدر الشكوى فكان في الأسعار المرتفعة وفي بعض الخدمات المتطورة التي لم تكن بعد متوفرة.
قيل الكثير عن الأسباب التي أدت الى "تدهور" أوضاع شبكتي الخلوي. لكن ما عاناه اللبنانيون من هاتين الشبكتين سبّب تلفا للأعصاب وهدرا للوقت والمال بفعل استحالة إجراء اتصال وإكماله من دون انقطاعه من دون معرفة الأسباب، إضافة الى عوارض أخرى مثل تداخل الخطوط وتراجع مستوى تغطية الشبكتين وغيرها من المشاكل.
ما ظهر لاحقا من الحملة الإعلانية التي أطلقتها وزارة الاتصالات أنها أنزلت الى السوق اللبنانية 800 ألف خط خلوي إضافي، وذلك في حملة من التباهي بإنجازات الوزارة.
وكما يقول المثل الشعبي الشائع: "متى عرف السبب بطل العجب". فكيف يمكن أن تتحمّل الشبكتان قبل توسيعهما وتحديثهما 800 ألف خط إضافي؟ النتيجة واضحة: تراجع خدمة الشبكتين وأدائهما بشكل دراماتيكي في الأشهر الأخيرة.
وعلى أرض الواقع، وبعد إنزال الأرقام الخلوية التي تبدأ بالرمز 70 في مرحلة سابقة، وقد تقاسم أرقام هذا الرمز كل من الشركتين المشغلتين، عمد وزير الاتصالات جبران باسيل الى إنزال الأرقام التي تبدأ بالرمزين 71 (لشركة MTC) و72 (لشركة ألفا).
أما خلفيات هذا القرار المتسرّع فهي أن الوزير سعى الى الاستفادة المباشرة من الأرقام المميزة في الرمزين.
ما نورده لا يدخل في إطار الاتهامات السياسية أو الحملات الانتخابية على الإطلاق، بل يأتي مدعوما بالوقائع والاثباتات. وقد يكون من حسن حظ اللبنانيين أن حادثة وقعت أدّت الى كشف ما كان يجري ضمن كواليس وزارة الاتصالات.
وإليكم التفاصيل: أحد الأشخاص الذي يعمل في مجال الاتصالات الخلوية ويدعى إدي عازار اشترى رقما "مميزا" هو 111115-71 من أحد المقربين من الوزير ماريو عون، ويدعى ريمون رزق. وقد وقع رزق تنازلا عن حقوقه في الاشتراك الخلوي المذكور أمام الكاتب العدل في بيروت شكري إدوار الحسيني بتاريخ 14 أيار الجاري. (لقراءة التنازل اضغط هنا)
وبعد ساعات على شرائه للخط الجديد واستعماله فعليا حيث أجرى عازار اتصالات بعدد كبير من أصدقائه لإعلامهم برقمه الجديد، يأتيه اتصال من شركة MTC يفيده بأن الرقم المذكور تم بيعه من الشركة عن طريق الخطأ، وأن عليه إعادته الى الشركة وإلا فإنها ستقطعه!
صدم عازار بالخبر، وخصوصا أنه كان دفع ثمن هذا الرقم مبلغا "محترما" بالعملة الأجنبية. فرفض ردّ الرقم وأجاب الشركة بأنه اشترى الرقم بشكل قانوني وأنه سيدّعي على الشركة في حال قطعت الخط. ولكن في اليوم التالي تم قطع الخط بوقاحة تامة.
ويروي عازار أنه في الفترة الفاصلة بين الاتصال وبين قطع الخط في اليوم التالي تلقى اتصالا من مقربين من الوزير باسيل يعرضون عليه أرقاما أخرى كبديل عن الرقم الذي تطالب الشركة باسترداده. لكن عازار كرّر رفضه مصرّا على حقه.
القصة حتى هذه المرحلة قد تبدو طبيعية: رقم باعته الشركة عن طريق الخطأ وتريد استرداده. لكن بمتابعة القضية تنكشف المزيد من الفصول.
كيف يتم بيع الخطوط المميزة في الشركتين حاليا؟ كل رقم مصنّف مميزا رسم مبيعه في الشركة هو 550 دولارا أميركيا. وثمة أرقاما محددة تم عرضها في المزاد العلني، وهو أرقام مميزة جدا. وثمة أرقام أخرى تم عرضها بالمزاد على الموقع الالكتروني للشركتين وحققت مبيعا عاليا. على سبيل المثال الرقم 000077-70 تم بيعه بـ10500 دولار أميركي. ولكن في المقابل ثمة أرقام مميزة أيضا ولكنها خرجت من الشركة بطريقة غير واضحة، مثل الرقمين: 000066-70 و000033-70. وتفيد المعلومات أن باسيل حاول استعادة الرقم 000066-70 فتبيّن أنه يعود لشخص من آل المراد من منطقة البترون ويدعى محمد المراد، ما اضطر باسيل الى إعادة النظر في قرار الاسترداد. أما الرقم 000033-70 فتبيّن أنه تم "منحه" لشخص يدعى طوني قمير، وهم ناشط في "التيار الوطني الحر" في البترون ولذلك وبعد ضغوط عليه قال إنه قد يسلم الرقم الى الشركة.
ولكن السؤال هو كيف يتم توزيع الخطوط على المقربين من باسيل؟ ثمة حلقة من المقربين تعمد الى إغراء هواة الأرقام المميزة، فتسأل الراغبين عن الأرقام التي يريدونها، وبعدها يبحثون عن الرقم على الانترنت فإن كان غير محجوز بعد، يحجزونه عبر إرسال بريد إلكتروني الى الشركة المعنية من مكتب الوزير باسيل لحجز الرقم باسم أحد المقربين من الوزير، والذي يقوم بها بتوقيع تنازل لدى الكاتب العدل عن الرقم الى الشاري الفعلي. وبذلك يدفع المقرّب من الوزير مبلغ 550 دولارا أميركيا ويبيع الرقم بما لا يقل عن 3000 دولار في فترة لا تتعدى اليومين.
ولمزيد من الإثباتات، فقد اشترى إدي عازار أكثر من رقم مميز بهذه الطريقة من أحد المقربين من باسيل، ويدعى جوزف يوسف اسكندر، مثل الرقمين 000057-70 و725725-70. (لقراءة التنازل الأول اضغط هنا، لقراءة التنازل عن الرقم الثاني اضغط هنا)
إضافة الى ذلك فإن ثمة "محظيين" كثر مثل أشخاص من آل دعبول، من المقربين جدا من باسيل حصلوا على الأرقام 000015-70 و000012-70 و000013-70 و000014-70 إضافة الى الرقم 115115-70، كما أن أحد المقربين أيضا حصل على الرقم 266266-71.
وهكذا تحولت وزارة الاتصالات الى باب للتنفيعات للمقربين من باسيل من دون حسيب أو رقيب على أموال الدولة التي أظهر باسيل في أكثر من مرة "غيرة" عليها.
ومما تقدم يظهر أن قرار باسيل إنزال 800 ألف خط جديد الى السوق اللبنانية قبل أن تكون شبكتا الخلوي جاهزتين لتحمّل هذه الكمية الإضافة، وعدم انتظاره استكمال أعمال صيانة الشبكتين وتطويرهما لتستوعبا هذه الكمية، إنما هدف الى الاستفادة من عملية توزيع الأرقام المميزة على المقربين لأهداف انتخابية واضحة.
أما المفارقة في قضية إدي عازار فهي أن باسيل استقبله في محاولة لتسوية الوضع لكن الأمور لم تصل الى حل، بعدما ادعى باسيل أن قرار قطع الخط عائد الى الشركة وأن لا علاقة للوزارة به، وطلب منه أن يرفع شكوى ضد الشركة في حال رغب بذلك! لكن معلومات موثوقة أفادت أن قرار قطع الخط اتخذ بمراسلة من وزير الاتصالات الى شركة MTC!
أما الأسئلة التي تطرح وبقوة فكثيرة، ومنها: ما هو عدد الأرقام التي تم توزيعها على المحاسيب وبالطرق المشار إليها؟ وكيف تتجاوب الشركتان مع مثل هذه المطالب من أشخاص في مكتب الوزير؟ وهل يحق لشخص واحد أن يحجز عدد من الأرقام باسمه ليتنازل عنها لاحقا؟ ما هو موقف مجلس الوزراء من هذه القضية؟ وهل يمكن أن تتحرك أجهزة الرقابة والتفتيش المركزي للتحقق مما يحصل في وزارة الاتصالات؟
الثابت أن هذه القضية تشكل فضيحة يمكن أن تبدأ تحت عنوان "صرف نفوذ" داخل الوزارة وقد لا تنتهي بفعل إهدار المال العام في عدد كبير من الأرقام الخلوية التي كان يمكن أن تدرّ على الخزينة أموالا طائلة كما صرّح باسيل نفسه أكثر من مرة.
أما السؤال الأخير فهو كيف سيتصرّف القضاء حيال هذه المسألة مع اتخاذ باسيل أو شركة MTC قرارا بقطع خطوط هاتفية يعتبرها أصحابها حقا شرعيا لهم؟!
ملاحظة: عقد السيد إدي عازار مؤتمرا صحافيا يوم الجمعة في 22 أيار الجاري في مقر نادي الصحافة عرض فيه تفاصيل ما حصل معه. وعلقت شـركة «إم.تي.سي تاتش» في بيان على المؤتمر الصحافي الذي عقده إدي عازار والذي لفت فيه الى أن بحوزته «عقوداً بخطوط اشــتراها من مرافقي وزير الاتصالات جبران باسيل نفسه، ومــن مرافــقي وزير الشؤون الاجتماعية ماريو عون».
وأوضحت الشركة أن «الخط الخلــوي الرقم 111115-71 هو من الأرقـام الخلوية المصنّفة والمميزة التي ينحــصر حق الاشترك بها عبر المزايدة الإلكترونية.. وقد حصل خطأ تقني أدى إلى إدراج هذا الخط ضمن الخطوط الثابتة الذهــبية، الأمر الذي نتــج منه أن أصــبح ريــمون غابريال رزق حاملاً ومشتركاً بهذا الــخط»، علماً ان رزق هو مـن مرافــقي الــوزير عـون. وأشــارت إلى أنـها اتــصلت ضمن مهلة لا تتــعدى الــساعة من تاريــخ اسـتلام الخط المذكور، لتتــفـاجأ بأنه أصبح بحيــازة عازار «الــذي ليس له أية صــفة عقــدية مع «إم تي سي». واضــطرت الــشركة إلى فســخ عـقد الاشتراك وتوقيف الخط الخلوي المشار إليه.
وبالتالي أكدت الشركة في شرحها لما حصل مضمون ما قاله عازار الذي يملك تنازلا لدى الكاتب العدل من مرافق الوزير عون. والسؤال الذي نكرر طرحه هو كيف حصل مرافق الوزير ماريو عون على رقم "ذهبي" أم مميز أكثر؟ وكيف تنازل عنه لدى الكاتب العدل لمصلحة عازار ومقابل مبلغ مالي "محترم"؟ وبأي حق يتاجر العونيون بالخطوط الخلوية فيحصلون على الأرقام المميزة بتكلفتها أي بـ550 دولارا ليبيعونها بآلاف الدولارات؟