الجدلية العقيمة مع قوى "8 اذار"
المحامي جورج ابو صعب
كلما اقتربنا من الاستحقاق الانتخابي في 7 حزيران المقبل كلما تصاعدت مظاهر الجدلية العقيمة لدى بعض قوى "8 اذار" ولا سيما "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، وكأن هذين التنظيمين قطعا على نفسيهما عهدا ووعدا صادقين بالالتزام بالنهج السلبي في التعاطي في الامور العامة والمصيرية الى يوم القيامة .
ولعل ابرز تجليات هذه السلبية المفرطة ما يبرز ويرشح ويصدر من مواقف وتصريحات ان دلت على شيء فعلى ضيق صدر المعارضة الحالية وضيق افق قواها الاساسية – ما يجرنا الى جدلية عقيمة لا تقوم بعدها قائمة للمنطق والعقل والواقع .
ستناول فيما يأتي بعضا من معالم الجدلية العقيمة لديهم:
اولا: الجدلية المتعلقة بعقدة النقص تجاه الولايات المتحدة الاميركية ومبادراتها في لبنان. فما نلاحظه هذا الكيل بمكيالين في المعارضة بين الولايات المتحدة وايران: فاذا زار السفير الايراني او اي مسؤول ايراني قوى المعارضة وحضر مهرجاناتها ومناسباتها لا تعتبر قوى المعارضة هذا الحضور وهذه المشاركة تدخلا في الشأن الللبناني الداخلي لا بل يصفق له ويبارك ويدعم ولا تعطى الاكثرية الحق حتى بالتعليق عليها او انتقادها لانها تمس بمحرمات سياسية وعقائدية معينة لدى شريحة معينة من اللبنانيين .
ولكن اذا جاء احد المسؤولين الاميركيين الى لبنان والتقى اقطاب وقوة الاكثرية في "14 اذار" تنتفض قوى المعارضة، وتعتبر ذلك تدخلا وتأمرا ضد لبنان وتشن الهجمات الشرسة والمركزة على القوى التي استقبلت المسؤول الى حد التخوين والتهويل ونسج المؤامرات واطلاق العنان للخيال المكيافيلي المريع عن اهداف الزيارة ومضامين اللقاءات والاحاديث – ولا يحق للاكثرية – في نظر "8 اذار" – ان تدافع عن وجهة نظرها وعن حقيقة الزيارة وما دار فيها من احاديث.
وفي حال شعرت قوى "8 اذار" بالاحباط الشديد تلجأ الى امر من اثنين او الاثنين معا :
– من جهة تطلق الحملات على قوى "14 اذار" بالتخوين والتأمر على المقاومة والقضية العربية – لان في ذلك جذب كبير لجمهور المعارضة بمجرد العزف على وتر العصبية الدينية والطائفية ومشاعر العداء للولايات الاميركية من دون تمييز ولا تفرقة.
– من جهة اخرى تصل الى حد تحقير الضيف واطلاق النعوت عليه : كما سمعنا منذ ايام في تصريح متلفز لاحد مسؤولي حزب الله (مسؤول العلاقات الدولية عمار الموسوي ) في حديثه لبرنامج نهاركم سعيد على شاشة المؤسسة اللبنانية للارسال – عندما وصل في انتقاده زيارة نائب الرئيس الاميركي جو بايدن الاخيرة الى لبنان – الى حد اعتبار وظيفة نائب الرئيس بانها تكاد لا تمثل اي ثقل في السياسة الاميركية – وكأنه سيصل الى القول ان الزيارات اما ان تكن للرئيس اوباما واما ان لاتكون معتبرة .
عقدة النقص هذه وللاسف باتت غرائزية اكثر مما هي حقيقية وعلمية – لاسيما ان المعارضة نفسها تتناقض مع ذاتها – في حين تعتبر ان ثمة تحولات اميركية في سياساتها في المنطقة تجاه سوريا وايران – وتبشر بأن هذه التحولات ستكون على حساب ما يعتبرون انه مصالح "14 اذار" مع الاميركيين – وفي الوقت عينه وكدليل على شهادة شاهد من اهله – ينتقدون الزيارات واللقاءات الاميركية مع قوى "14 اذار" ويتخوفون منها: فاما ان تكون المعارضة واثقة من تحولات السياسة الاميركية، واما ان تتوقف عن تبشير الناس بالباطل والتهويل .
ثم نرى ان على المعارضة ان تقوم اكثر فاكثر بمراجعة شاملة لسياستها العامة تجاه الوضع اللبناني، فاذا كان الوجود والتحالف الايرانيين مع "حزب الله" يريح هذا الاخير فعليه ان يعرف ويستوعب في المقابل بأن هناك قوى أخرى لا تريحها ايران ولا تؤمن بدورها كما يراه "الحزب" ايجابيا في لبنان .
ثمة حقيقة يجب ان تقال بكل صراحة … وشفافية ، فكما يرى "الحزب" ان من حقه ان يكون الايراني والسوري الى جانبه – على الحزب ان يتقبل فكرة ان ثمة فريق من اللبنانيين لا يرتاح لسياسات ومخططات الجمهورية الايرانية الاسلامية – وبالتالي يقر بحق الاخرين في التنوع ونسج العلاقات الدولية والاقليمية مع الاميركيين والاوروبيين – والعالم الخارجي الواسع – التي يراها الاخرون اكثر تلبية لاهدافهم وبرامجهم – ولذلك نقول ان الانتخابات المقبلة هي للخيار بين مشروعين ومنطقين وفلسفتين. الم ينفتح الحزب نفسه ويرحب بالانفتاح البريطاني عليه اخيرا ؟
ثانيا: الجدلية الثانية تتعلق بالتنكر للماضي: وهنا يلتقي التيار الوطني الحر بحزب الله في المنطق نفسه والرؤية للامور وابرزها :
1- "التيار الوطني الحر" يعتبر نفسه رأس الحربة في المعارضة وفي الوقت نفسه يعود الى الوراء في بعض المواقف ليعتبر نفسه انه ليس من ضمن قوى "8 اذار" .
2- "حزب الله" يعتبر انه مع مشروع الدولة ولكنه على صورة المقاومة: فهو يريد دولة قوية ولكن وفق النموذج المقاوماتي من دون ان يوضح كيف عمليا يمكن تقوية الدولة وبسط سلطتها على كامل التراب الوطني في ظل قوة عسكرية رديفة تشكل دولة بحد ذاته من ضمن الدولة.
3- يتهم كل من "التيار" و"الحزب" الاكثرية بانها اعطت نموذجا واضحا عن حكم فاشل طوال السنوات الاربعة الماضية: ينسى كلا الطرفين انهما ومن اصل اربع سنوات عطلوا مع حلفائهم في المعارضة الدولة سنتين ونصف السنة ان لم نقل ثلاث سنوات.
4- كما يتهمان الاكثرية بانها تعطل جلسات مجلس النواب الاخيرة في ساحة النجمة لاقرار مشاريع واقتراحات قوانين حياتية ومعيشية – فمع اننا في المبدأ ضد ارجاء او تعطيل اقرار مثل هذه المشاريع والاقتراحات لحيويتها واتصالها بيوميات الناس واعباء معيشتها – الا ان "التيار" و"الحزب" لا يذكران شيئا عن مئات مشاريع القوانين واقتراحات القوانين التي نامت في ادراج مجلس النواب عندما قررت المعارضة اقفال المجلس وتعطيل الحياة البرلمانية والدستورية لاكثر من سنتين – الم يكن للناس عندها في ضمائر المعارضين اهمية او اعتبار؟
5- يتهم كلا "التيار" و"الحزب" بعض قوى "14 اذار" في كل مناسبة على انها كانت في قسم كبير منها موالية للسوريين ايام الوصاية وتحديدا "التيار الوطني الحر" نجده في كل مناسبة وللدفاع عن ورقة تفاهمه – يعير القوى المسيحية في "14 اذار" بانها تتحالف اليوم مع الذين كانوا رموز الوصاية في لبنان ايام الوجود السوري : فـ"حزب الله" ايضا كان رمزا من رموز الوصاية السورية ولم يمنع ذلك التيار الوطني الحر من التحالف معه – ولكن الفرق كبير بين التحلف مع الحزب ومع التحالف مثلا مع الحزب "التقدمي الاشتراكي" لسببين :
الاول: ان "الحزب التقدمي الاشتراكي" بزعامة وليد جنبلاط اعترف باخطائه في عهد الوصاية واقر زعيمه علنا بانه كان مخطئا وخائفا في عهد الوصاية ولم يمتلك الجرأة الكافية للمواجهة – بينما "حزب الله" كان ولا يزال يجاهر علنا بانه لم يخطىء في شيىء وان ولاءه للوصاية السورية كان ولا يزال فعل ايمان بالدور السوري في لبنان – وصولا الى مهرجان شكرا سوريا عام 2005، وما بعده الى يومنا هذا من مواقف لـ"حزب الله" داعمة ومؤيدة للنظام السوري لدرجة ان العماد ميشال عون اقتنع بهذا المنطق وذهب الى الشام ليصافح النظام الذي قتل جنود وضباط الجيش اللبناني في 13 تشرين الاول 1990 – وصولا الى تبرير "حزب الله" عند كل مناسبة لتصرفات وتجاوزات وتسلط المخابرات السورية في عهد الوصاية وتأييد خطواتها واعمالها حتى تأييد رموزها اللبنانين واحتضانهم ومن ابرز تلك الوجوه اللواء جميل السيد بعد اطلاقه من رومية اخيرا – فالحزب أخذ على عاتقه حمل ارث الوصاية السورية والدفاع عنها الى النهاية – وتبني نهجه التسلطي والقمعي كما فعل في 7 ايار بحيث ان الحزب يقر بأن هجمة 7 ايار ضد بيروت كان يوما مجيدا ويحاول التيار الوطني الحر تفسير وتبرير تلك المواقف لحليفه حتى وقع في مأزق تبرير ما لا يبرر .
الثاني: ان "الحزب التقدمي الاشتراكي" قرر التغيير باتجاه لبنان القوي – لبنان العيش المشترك – لبنان الوحدة الوطنية – ونبذ الاقتتال الداخلي – وبناء المؤسسات والقوى الشرعية اللبنانية الذاتية – والتخلي عن الادارة المدنية في الجبل – بينما "حزب الله" لا يزال حتى الساعة لا يرى تغييرا الا بالقوة وتحديدا قوة السلاح ولو ادى ذلك الى الاقتتال الداخلي بدليل 7 ايار وبدل الوحدة الوطنية ينبري السيد حسن نصرالله في خطابه الناري الاخير يهدد ويتوعد بحكم البلد لوحده او من طرف واحد – فيما يزداد الانغلاق الكامل لمناطق نفوذ "حزب الله" امام الدولة والجيش والشرعية والمؤسسات .
فـ"التيار" يعتبر نفسه وريث نهج القائد والرئيس الاسطوري بشير الجميل ويتحالف سياسيا وانتخابيا مع الحزب القومي السوري الاجتماعي الذي قتل وفاخر بقتل الرئيس الشهيد – ويتهجم على "تيار المستقبل" وينسى ان الاخير ومن خلاله القسم الاكبر من الطائفة السنية الكريمة انتقلت بعد اكثر من ثمانين عاما من مرحلة رفض الاعتراف بالكيانية اللبنانية النهائية منذ ثورة طرابلس اثر اعلان دولة لبنان الكبير ومطالب الالتحاق بالعمق العربي عبر بوابة دمشق الى طائفة تضع لبنان اولا فوق اي اعتبار .
جدلية عقيمة نأمل ان يحسم دوامتها الناخب اللبناني الواعي والواعد في 7 حزيران المقبل قبل ان تنهار القيم الجمهورية ويسقط الوطن .