#adsense

هو رأس الدولة وليس حَكَماً والوطن ليس مباراة

حجم الخط

هو رأس الدولة وليس حَكَماً والوطن ليس مباراة

"لنجلس ونفكر. فحين أقف، يفرغ رأسي".
جورج شحادة

استُقبل الرئيس ميشال سليمان في العالم العربي وفي الامم على انه رئيس الجمهورية اللبنانية العائدة الموحدة من زمان الفرقة، لكنه لا يزال يُعامل في لبنان على انه رئيس منتخب لم يتسلم مهماته الدستورية بعد. وكما احيط انتخابه بالشروط والاسلاك ومحاولات اللحظة الاخيرة، لا تزال الشروط والاسلاك ومحاولات الفرصة الاخيرة، تحاصر الرجل وتشد به الى الخلف، وتحاول اشعاره بانه لم يتسلم السلطة بعد.

ويتميز هذا الحصار بالكثير من التعالي وبأسلوب في المعاملة لا يليق بمقام الرئاسة، ايا تكن صلاحياتها. فالمسألة هنا، مسألة رمز في المطلق، وليست قضية بنود في التفاصيل او في التفاسير. والرئاسة، مثل الجمهورية نفسها، ليست مشروعا مطروحا على الدرس، وانما هي الرمز الجامع لمكونات الدولة والوطن. وما يقال من ان الرئيس منسق التوازنات في البلد، هو افتراء على الجمهورية واعتداء على الدستور واحتقار معلن لمبدأ التوازن نفسه. فالرئيس هو، اولا، شريك اول في الحكم وليس مجرد حَكَم يحمل صفارة ويعلّق شارات صفراء. وهو لا يدير التوازنات في بلد شديد الاختلال، ودولة مقهورة، وانما هو يمثل التوازن الوطني كما يراه ويرتئيه، وكما يرى مصلحة الوطن، وسط هذه التجاذبات العاصفة التي كانت تضرب الجذوع فأصبحت تحفر في الجذور وما تراكم فيها وعليها من عفن وطني وقومي وحتى انساني.

رئاسة الجمهورية ليست رئاسة مخفر. أوامرها تأتي من مقامها ومن رفعتها، وليس من خواطر كل من اخذ على خاطره. مرة قال فؤاد شهاب لجان عزيز: "رمينا اسم فلان للرئاسة، لكي نرى ردود الفعل". فقال الرجل الاسمى حتى من فؤاد شهاب: "أسماء الرؤساء تُرفع ولا تُرمى".

لست ادري ما هي مسؤولية رئيس الجمهورية في هذه البلبلة، وفي ما يتناول الرئاسة من جدل وتعابير واستهانة بالموقع الذي اؤتمن عليه واليمين التي اقسم بها. فالذي يطالبه بان يكون حَكَماً يدير التوازنات يجب ان يدرك انه انتُخب رئيسا للدولة وليس مديرا لشركة مفلسة وضعت موقتا تحت الحراسة. والذين يمنعون الرئيس من الحصول على ثلث الحكومة ومن الكتلة النيابية المؤيدة، بأي حق او بموجب اي دستور او عرف، يريدون في المقابل ان يطلبوا لانفسهم جميع مقاعد البرلمان؟

وكيف تكون مقاعدهم ملكا لهم وارثا متوارثا ومقاعد سواهم سرقة وتطاولا؟
لقد تراجع الرئيس سليمان في المرة الاولى تحت الضغط عندما تنازل عن حصة الحقائب العشر. وتراجع مرة ثانية عندما نفى نيته ان تكون له كتلة نيابية مؤيدة، في الوقت الذي تتجاذب البرلمان وتتقاسمه كتلتان حادتان، او في الوقت الذي يقرر حزب الطاشناق والرامغفار شكل البرلمان البرلماني ومصير النظام ومعالم الديموقراطية اللبنانية.
للطيور اوكار تأوي اليها وليس لابن الانسان مكان يرجع اليه.

لقد ارغم الصداميون الرجل على ان يبقى خارج ابسط حقوقه الدستورية. وهذه الحقوق ليست في ان تكون له كتلة نيابية مستقلة تفصل في حروب النواجذ، بل في ان يسعى، قدر ما استطاع، الى ان يجمع حوله اكبر كتلة نيابية ممكنة. والا ماذا جاء يفعل؟ واذا كانت المسألة حقا مسألة حَكَم فقط، ففي الامكان الاستعانة بحَكَم من البرازيل. او من توباغو.

كيف يريدون – الذين يريدون – ان نعبر هذه المرحلة الاكثر بكثير من مصيرية، منفردين ومن دون قول للرئاسة ومن دون هدوئها، ومن دون توازنها؟ الرئيس، ان يكون هو متوازنا، لا ان يدير التوازنات. وأين هي توازنات لبنان في اي حال؟ وماذا حدث للغة الاتزان ومسلك المتزنين لكي يتولى الرئيس الفصل بينهم؟

نحب ان نفترض كفرا دستوريا آخر: هل اذا كان رجل يتزعم كتلة برلمانية واسعة، يمنعه ذلك من الترشح لمنصب الرئيس، ام ان الامر مختلف هنا؟ بل هل اذا فاز زعيم كتلة نيابية بالرئاسة، يفترض فيه فورا التخلي عنها؟ ولماذا يحق لرئيسي البرلمان ومجلس الوزراء ان يسعيا الى جمع اكبر تكتل نيابي ممكن، ويرغم ناظم خوري ان يحرج لتاريخه النيابي وتاريخ الصداقة الذي يجمعه بالرئيس؟

يُخشى ان يكون الشطط السياسي قد قضى على كل ما عرفناه من قواعد واعراف بنى على اساسها جيل الدستور الاول، ثم جيل الاستقلال، ثم الجيل التالي. والنزاعات التي قامت حول الرئاسة والرئيس، كان سببها غالبا قوته وقراره، وليس كما هو حاصل الآن حيث تتنازع القوى السياسية على جوهر الحكومة، وشكل البرلمان، وحصص التعيينات، وتستكثر على الرئيس اي شيء يتعدى الاستقبالات الرسمية.
لا ادري ما هو نوع الحالة التي نمر بها. لعل اقرب وصف لها انها درجة فائقة من الحمّى.

وفي مثل هذه الحال تنظر الشعوب امامها لكنها لا ترى. واذا رأت تكذّب نفسها، لانها تريد للعالم الخارجي ان يتماشى مع عالمها الداخلي. فتكاثر الآراء، والمواقف، والتحليلات، والمقارنات، يبلبل العقل الجمعي ويخدره، وتتساوى عنده لذة الرعب من الادمان والرعب الواعي منه.
واذ تكثر التحاليل والتعاليل والاقوال ثقل الحقائق حتى تنضب. ومحزن هذا المناخ من البروباغندا الذي يسود ويحل محل المنطق والعقول والاخلاقيات الشخصية والوطنية. فكلما تكثفت البروباغندا وارتفعت حناجر الدوغمائية قلت فرص الطيبين والمستحقين. وقد دلت جميع تجارب التاريخ على ان الجماهير تستمرئ خدرها وتحبه وترفض الخروج منه الا بقوة مخدرة اخرى. لذلك فهي لا تطرح الاسئلة، واذا فعلت لا تنتظر الجواب. لا تريد ان يقطع عليها احد متعة المونولوغ المسلي والمثير.

وفي زمننا هذا اصبحت الامم تتصرف مثل الجماعات، او بالاحرى التجمعات، كما يقول والتر ليبمان. لذلك اقترح علماء السياسة فصل مسألة "الرأي العام" عن الحكومات وعدم اخضاعها لارهاب الاستفتاءات وأمزجة الجماهير وتقلباتها واندفاعاتها ضد الثور المسكين ومع سهام القاتل. الحروب والثورات، يقول ليبمان، تقوم من ناحية على البروباغندا، ومن ناحية اخرى على الرقابة، وهما اكثر ما يدمر التفكير المنطقي. وكلاهما ينمّي نشوء المتطرفين من اليسار واليمين. وهؤلاء، في رأي الفيلسوف العظيم سانتايانا، يضاعفون جهدهم او محاولاتهم، ولكن بعد ان يكونوا قد نسوا الهدف الذي وضعوه في المقام الاول.

وفي غياب الحقائق تكثر الحماقات. وبغريزته الفظة، يميل الانسان الى تصديق الشائعة، لأن الحقيقة لا تناسبه. اننا لا نصدق الارقام الرابحة في ورقة اليانصيب من القراءة الاولى. وعندما نعيد قراءتها من دون العثور على رقم مصادف واحد، نعتقد ان الخطأ هذه المرة في طريقة القراءة. نحن على استعداد، في هذه الحال، ليس فقط لتكذيب خصومنا بل لتكذيب انفسنا. ويحدث غالبا ان نحتفظ بالورقة لاعادة قراءتها في اليوم التالي. اي شيء غير الذي نتمناه كذب. والرابح الحقيقي ليس صاحب الحظ، بل هو سارق الجوائز من اصحابها ومستحقيها!

دُفعنا دفعا الى حرب ألوان لا الى معركة أفكار. الى قتالات عمياء. وبدل ان تتحول الجامعات ملتقى لافكار الخلاص، وحلول التوحيد، وتناسق العقول، تحولت مجاهل وغابات وعصيا ومدارس لرفض الآخر. وكانت الجامعات منبعا للفكر القومي، ومصنعا لأحلام الامة، فاصبحت مثل آخر الزقاق، منبتاً للشتائم، ومرتعا للهراوات، ومكمنا للمصلحين والفاضلين ورافضي حلبات السفه. وفي القول الكريم "داروا سفهاءكم". والسفيه هو ناقص العقل. يريد الله – لا نحن – ان تتأدبوا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل