#adsense

“حزب الله” والجغرافيا المسيحية: تناقض موضوعي يحسمه “تسييس” المعركة

حجم الخط

تصدير "الماكينة الانتخابية" هي النسخة الحالية من منطق تصدير "الثورة الإيرانية"
"حزب الله" والجغرافيا المسيحية: تناقض موضوعي يحسمه "تسييس" المعركة

التناقض بين سلاح "حزب الله" وبين البيئة المسيحيّة اللبنانيّة هو تناقض موضوعيّ. لا يصدر عن فعل إختلاق أو افتئات. بل أنّ وقائع الإحتكاك المباشر بين هذا السلاح والبيئات الأهليّة غير المسيحيّة لا يقلّل من عمق هذا التناقض الموضوعيّ، والكيانيّ، بينه وبين البيئة المسيحيّة.
فأيّاً كانت المقولات التي جرت محاولة تسويقها في هذه البيئة، من مقولة "تحالف الأقليّات" إلى "مؤامرة التوطين"، يبقى السلاح الخارج عن إمرة الدولة، بل والمتحكّم بها، هو العلامة الفارقة التي تقضّ مضاجع المسيحيين إلى أيّ لون سياسيّ انتموا.

وحتى الذين ما زالوا يؤيّدون العماد ميشال عون في الشارع المسيحيّ. هؤلاء قد يبرّرون لقائدهم التحالف مع "حزب الله"، لكنّ هذا التحالف هو أقل قرارات قائدهم شعبية بالنسبة إليهم. وهم يكتفون مثلاً بتحميل فريق الأكثرية مسؤولية الدفع بقائدهم إلى أحضان "حزب الله"، لكنّهم يدركون بأشكال متفاوتة خطورة هذه الأحضان، خاصة في مرحلة يختلط فيها الخطر الأمنيّ على البيئة المسيحيّة مع خطر ديموغرافيّ يهدّدها في مناطق التخوم كما في الجيوب المتناثرة.

لا شكّ أن ثمّة عناصر تشابه عديدة بين مشروع "حزب الله" لطائفته ووطنه وبين العناصر الأساسية للمشروع الماروني التاريخيّ، وأهمّ هذه العناصر هو سعي الطائفة لإحلال هيمنة ثقافية شاملة على البلد وتكريس نفسها عملياً قاعدة بل قائدة للمجتمع والدولة. بيد أن عناصر التشابه هذه هي نفسها التي تولّد التناقض الموضوعي بين المشروعين، ويزيد من ذلك أن المشروع المارونيّ التاريخيّ كان يحلم إما بإستقرار تبتدع له مرحلة ذهبية (ميثاق 43) أو يدمج بإستشراف مستقبلي (شعار دولة العام 2000 الذي طرحه الرئيس بشير الجميّل قبيل استشهاده). أمّا مشروع "حزب الله" فإنّه أولاً ينكر ذهبيّة أي مرحلة رسميّة من تاريخ لبنان، ولا يتعرّف على نفسه لا في زمن تأسيس الكيان، ولا في زمن استقلاله، كما أنّه لا يبالي كثيراً بإلاستشراف المستقبليّ تاركاً ذلك لجماعة "الجمهورية الثالثة". ما يريده هذا المشروع هو "دولة التعبئة المستدامة"، وهذا أيضاً عنوان لمزيد من التناقض مع البيئة المسيحيّة اللبنانيّة.

ثمّ أنّ هذا الحرص الزائد من جانب "حزب الله" على طمأنة المسيحيين لا يطمئنهم كثيراً. على العكس تماماً، يزيد من قلقهم. لا يمكن أن تنظّم حملة في عام 2009 ضد إتفاقية 17 أيّار 1983، وبذهنية 6 شباط 1984، ثم تنتظر بعد ذلك تجاوب المسيحيين مع الطمأنة وعطر الكلام.
وليس سليماً كذلك أن يبذل تنظيم سياسيّ أمنيّ جهوده لطمأنة المسيحيين، ويبقيهم في الوقت نفسه عرضة لتقليب صفحات الحرب بشكل تخوينيّ وانتقائيّ ومضجر.

وهذا الأمر تحديداً هو ما لا يفهمه "حزب الله" على ما يظهر. يظنّ هذا الحزب، ومن خلال تصديره "ماكينته الحزبية" إلى المناطق المسيحيّة (وهذه هي النسخة الحالية من منطق "تصدير الثورة")، أنّه قادر على الإستفادة من توتّرات حيويّة شعر بها سكّان هذه المناطق ذات يوم بإزاء السلاح الميليشياويّ وتجاوزاته. ما ينساه "حزب الله" في هذا المجال أنّه يكشف أكثر فأكثر عن الطابع الموضوعيّ، بل والوجوديّ، لتناقضه مع البيئة المسيحيّة. فهذه البيئة وقبل ان تستعيد ذكريات تجاوزات السلاح الميليشياويّ داخلها، ستكون أكثر نباهة للسلاح الخارج عن سلطة الدولة المسلّط فوق رأسها، وعلى هذا الأساس بالذات سيتحرّك قسم مركزيّ من المسيحيين يوم 7 حزيران.

بيد أن التناقض الموضوعي شيء، وتظهير هذا التناقض لكي يصبح مباشراً وسياسياً بإمتياز هو شيء آخر تماماً، وهذه مهمّة كل من يخوض الإنتخابات ضد لوائح 8 آذار 6 شباط 7 أيّار، لا سيّما في المناطق المسيحيّة. ففي هذه المناطق، يشكّل التسييس، وتحديداً تظهير التناقض الموضوعيّ مع "سلاح حزب الله"، الضمانة الأساسيّة لإنقاذ مشروع الدولة، وتعطيل التعطيل نفسه جولة في إثر جولة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل