اضواء على السنة الاولى من عهد الرئيس سليمان
من حيث المبدأ ليس عدلاً ولا منطقياً الحكم على عهد لم يتجاوز عمره السنة الواحدة، خصوصاً في بلد مضطرب مثل لبنان، يتحرّك فيه الحكم والحاكم كمن يمشي على الرمل، او بين الفوالق الصدعية التي تسببها الهزّات السياسية والامنية في شكل شبه دائم، ولكن تجنّب المساءلة لا يلغي الخوض، في شكل سريع، بابرز ما حمله انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية من ايجابيات صبّت جميعها في اعادة الروح الى الدولة ومؤسساتها بعدما كانت تعاني ضموراً في العافية، وشحّاً في العطاء وتراجعا في الهيبة، وتخاذلاً في المواجهة وعودة الروح لا تعني الشفاء الكامل بالطبع، انما تعني ان التشخيص سليم، والعلاج في متناول اليد، والطريق مكشوفة امام اضواء التفاؤل.
*** التفاؤل يبدأ اولاً واخيراً بشخص الرئيس سليمان وميزاته التي اكتسبها في تربيته البيئية وتربيته العسكرية والتي تظهر بوضوح في طريقة عمله وتحرّكه مذ كان قائداً للجيش وفي خلال السنة الاولى من عهده، فهو يفهم بعمق المشاكل المعقّدة التي يعاني منها لبنان، ويعمل على مقاربتها بكثير من الموضوعية والدرس والذكاء في شكل يذكّر بالطريق ذاتها التي كان المغفور له الرئيس شارل حلو يقارب بها المشكلات التي واجهت عهده، ولم تكن قليلة او سلهة، مستعيناً عليها باسلحة اخرى، يملكها بوفرة ويستخدمها بطريقة صحيحة، هي الهدوء والصبر والجلد من ناحية، والصلابة والشجاعة والايمان من جهة اخرى، وهو في هذا المجال يمثّل في شخصيته النصيحة التي تقول «لا تكن ليّناً فتعصر ولا قاسياً فتكسر» ومن هنا يمكن فهم تساهل الرئيس سليمان عند مقاربة الامور الثانوية، وعناده في التمسّك بثوابت لبنان الاساسية، عند شعوره باي خطر يمكن ان يستهدف الاستقلال والسيادة، والحرية والنظام الديموقراطي وحقوق الانسان، اما الامراض الداخلية الموروثة والمستعصية، كمثل الفساد، والفوضى وتجاوز القوانين، واستغلال الوظيفة وحجب الحقوق عن اصحابها، وتدمير البيئة، فان لها مكاناً واسعاً في اهتمامات الرئيس سليمان وتوجيهاته، على الرغم من عدم ملاءمة الاوضاع السياسية، الداخلية التي تعوق معالجة مثل هذه الامراض، واحياناً تحول دون مقاربتها كما يجب، ولو ان الذين ينادون في هذه الايام بالاصلاح، لا يعرقلون عمداً الخطوات الاصلاحية التي يعمل لها الرئيس سليمان في مجلس الوزراء، بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ليحمل مسؤولية هذا الاصلاح، لكانت الادارة العامة والمؤسسات والسلطات المغيّبة قد بدأت مسيرة الالف ميل في طريق الاصلاح المنشود.
*** ثلاث محطات اساسية وتاريخية ميّزت مسيرة عهد الرئيس سليمان في اولى سنوات عهده، المحطة الاولى هي تكريس لبنان دولة كاملة السيادة، ومعترفاً بها من جميع دول العالم، بما فيها الدولة السورية التي اعترفت اخيراً بدولة لبنان واقامت معه علاقات ديبلوماسية كاملة بعد نزاعات طويلة شاقة، ظاهرة ومخفية استمرت عقوداً من الزمن.
المحطة الثانية، كانت عملية نفض النسيان والاهمال واللامبالاة التي حفلت بها العهود السابقة، فغاب لبنان الثقافة والعلم والحضارة والانفتاح والحرف والسلام عن العالم اجمع، وحلّ محله لبنان الحروب والانقسام والتخلّف والخطف والاغتيالات والدمار، الى درجة ان احد وزراء خارجية الولايات المتحدة الاميركية (جورج شولتز) دعا الى وضع لبنان في الحجر الصحيّ، فكانت امام الرئيس سليمان مهمة صعبة وربما مستحيلة لاعادة تعريف العالم بلبنان الذي كان والذي سيكون، فطاف العالم مبشّراً حاملاً على كتفيه امجاد ستة آلاف سنة حضارة واكتشافات وعلماء وادباء ومثقفين ومبدعين، فاوصل رسالته بحرارة وايمان، وفتح العالم ذراعيه مجدداً، ليدخل هذا البلد الصغير نادي الدول الكبيرة الغنية بالتراث والعطاء.
المحطة الثالثة، وهي الاصعب على الصعيد الشخصي، نجح الرئيس سليمان، على الرغم من التشكيك والعرقلة ومحاولات التفشيل، في جعل منصب الرئاسة الاولى ملك اللبنانيين كلهم، دونما تفرقة بين الطوائف والمذاهب والاحزاب والشخصيات، فتحوّل قصر بعبدا الى مكان دائم للحوار احياناً، والى مركز اطفائية احياناً اخرى، وكان سليمان يتابع بصبر واناة، تشدد هذا الفريق وتصلّب الآخر، يتدخل حين تدعو الحاجة، وكثيراً ما كانت الحاجة امّ الاختراع والتأجيل، علّ الرؤوس الحامية تبرد، ونعمة الرحمن وروح القدس تحلّ على الذين لا يشفقون على لبنان وشعبه ومستقبله، وعلى الرغم من محاولات البعض محاصرته وتطويقه وتجنيده لمصالحهم الخاصة وغير الخاصة، كان يعتصم بضبط النفس وبايمانه بوطنه وبهدوئه القاهر، لان الوطن على كفّ عفريت، ولان الدعسات الناقصة تسقط المسؤول وتسقط معه الدولة، وكأن هذا الرجل من زمن، يختلف عن زمن من يتعامل معهم، فاللغة تختلف وكذلك الاهداف.
هذا الرجل الذي حلم بان يكون وطنه مركزاً دائماً للحوار بين الثقافات والاديان، وعمل على تحقيق هذا الحلم في الامم المتحدة وفي الدول ذات التأثير العالمي، اعتقده الاكثر جدّية ورغبة في انجاح الحوار بين اللبنانيين، ليتمكنوا ان صدقت نيّاتهم وتعفّفت رغباتهم وطموحاتهم، من انقاذ وطنهم، وتخليصه من يد الطامعين به، والعاملين ابداً على تحويله الى ساحة نزال او صندوقة بريد.
ميشال سليمان يعرف، واللبنانيون يعرفون، ان عهده ليس عهداً طريقه مفروشة بالورود والسجاد الاحمر، بل هو عهد عمل وتعب ومطبّات وربما مؤامرات، ولكن الايمان بالله وبالشعب وبالنفس، عامر وكبير، والسنوات الخمس المقبلة غير مسموح لها الا ان تكون خمس سنوات سمان.