رقابة… وسط انهيار!
شكل تأليف هيئة الاشراف على الانتخابات احدى الخطوات الاصلاحية الرئيسية والقليلة التي أمكن امرارها ضمن قانون الانتخاب الراهن، باعتبار ان هذه الهيئة يفترض ان تضطلع بدور العين الراصدة بدقة للمخالفات الانتخابية، إن على مستوى المرشحين او على المستوى الاعلامي. وهو أمر سيكتسب أهمية قانونية كبيرة متى أضحت تقارير الهيئة بمثابة مرجعية أساسية لبت طعون محتملة لدى المجلس الدستوري عند اكتماله.
ومع أهمية التسليم بهذه الخطوة الاصلاحية، لا بد من تسليط الضوء وفق المعايير الصحافية والاعلامية المتعارف عليها والمسلم بها، على اشكالية تبرز في التقريرين اللذين وضعتهما الهيئة حتى الآن حيال مراقبتها لأداء وسائل الاعلام المختلفة إبان الحملة الانتخابية.
بطبيعة الحال تستند الهيئة في مهمتها الى نص قانوني تحمله المادة 68 من قانون الانتخاب الذي يلحظ معيارين أساسيين في مراقبة الصحافة والاعلام هما التوازن والحياد بين المرشحين والامتناع عن نشر كل ما يتصل ببث الكراهية والتحريض والقدح والذم والنعرات وما الى ذلك. اذن ثمة معيار "كمّي" يتصل بقياس المساحات المخصصة للمرشحين واللوائح من مختلف الاتجاهات، وهو أمر لا يثير اشكالية كبيرة ولو ان المشهد الانتخابي لا يفترض بيومياته "توازنا على المسطرة"، بمعنى أن وسائل الاعلام والصحف تجد نفسها غالبا مضطرة الى "توسيع" و"تضييق" للحفاظ على نسبة معقولة من التوازن.
وثمة معيار "نوعي" هو مثار الاشكالية ويتصل بأن النص القانوني يلزم الاعلام والصحافة ان يتحولا رقيبين فعليين على تصريحات السياسيين والمرشحين وإعمال "قلم" الرقابة بعمق في تقويم اعوجاج كل الاغراق الكلامي السائد في البلاد.
مثار الاشكالية هنا هو التضارب الحقيقي بين نص قانوني يجري تطبيقه بحرفية صارمة تتحول معه الصحيفة والمحطة التلفزيونية والاذاعية مخالفة لمجرد أنها "نقلت الكفر"، فيما الانتخابات في البلاد تسبح على بحر الكلام "العطر والفواح" وشتى أنواع الحوربة والقتالية والخطب المستنفرة والمعبئة. وبين أصول اعلامية وصحافية لا تجيز إن أريد لها ان تعكس المشهد السياسي والانتخابي على حقيقته ان تخفف الكثير أو تلجم الكثير من احتدام المشهد وإلا جافت المعيار الاساسي للاعلام والصحافة وهو الحرية في نقل الواقع مهما يكن قاسيا وبشعا ومعوجا.
بطبيعة الحال يسجل للهيئة انها تتقيد بنص قانوني ليست مسؤولة عن وضعه أولا، ولا يمكنها ان تفرض بوسائل قمعية خطابا سياسيا وانتخابيا "اصلاحيا" و"مهذبا" و"راقيا". ولا يضير الاعلام والصحافة في الفترة الانتخابية "التريض" على بعض التوازن وتجفيف ما أمكن من "ثقافة الشتيمة" الهابطة في هذه الانتخابات الى حدود مذهلة فعلا، كأنها تنبئ بكارثة لا صلة لها بأي نتائج انتخابية وهي كارثة مجتمع بُلي بهذا الهبوط اضافة الى تعميم روح العداوة والعدوانية بما يثير الذعر حيال ما يسمى السلم الاهلي.
غير أن تحميل الاعلام والصحافة عبء الرقابة المسلطة على المشهد الانتخابي الى هذا المستوى، فيما الانفلات التعبيري في ذروة غير مسبوقة، يغدو ضربا من التعجيز الفعلي خصوصا وسط العجز المطلق عن تحريك أي آليات رديفة أخرى لضبط الانهيار التعبيري في الخطاب السياسي. وليس أدل على ذلك من المنبريات التلفزيونية التي تقدم خدمة جلى للناس لمعاينة "الثقافة الانتخابية" السائدة، ولكن في المقابل تكشف بأقصى وجوه الوجوم فجيعة المفهوم الانتخابي الذي أضحى أقرب الى منازلات شخصية نافرة لا يوفّر فيها أي "سلاح" فردي او جماعي. بذلك صار على الصحف مثلا ان ترسم فوق أعمدتها صورة سياسيين منزهين لا يتفوهون الا بالكلام الدافئ والمهذب بفعل مقص الرقابة المفروض ان تلتزمه لئلا تخالف القانون، فيما الشاشات تصدح بكل العنف اللفظي ومشتقاته وسلالاته ولا من يقوى على ردع الحناجر الصادحة.
فأي مخالفات تقاس بعد إن توازنا او نشرا، أمام كل هذا الانهيار العميم؟