نتائج الانتخابات قد تفرز نوعين من الموالاة والمعارضة
هل يكون خطاب القَسَم إطاراً لبرنامج حكومة وحدة وطنية ؟
لوحظ ان الرئيس ميشال سليمان لا يعير من يتهمونه بالتدخل في الانتخابات لمصلحة مرشحين اصدقاء له اهتماما. فلو ان ذلك كان صحيحا لكان تدخل في تأليف اللوائح وهو ما يتجنبه، وبمعرفة الجميع، لانه قرر عدم التدخل في الانتخابات حرصا منه على ان تكون حرة نزيهة وشفافة، وليؤكد وقوفه على مسافة واحدة من جميع المرشحين، على ان يتعاطى مع نتائجها بما فيه مصلحة البلاد وليس مصلحة اي طرف.
لذلك فان الرئيس سليمان بعد مرور سنة على انتخابه يعد نفسه لمرحلة ما بعد الانتخابات النيابية وهي الاهم لانها قد تكون مرحلة اخراج لبنان من نفق الازمات والاصطفافات العمياء او تكون مرحلة البقاء فيه، لا سمح الله، فلا تقوم دولة ولا يدوم وطن.
واذا كانت معركة الانتخابات معركة مواجهة بين ثلاث قوى هي: 8 آذار و14 آذار ومستقلين فان نتائجها قد تفرز نوعين من الموالاة والمعارضة، موالاة للرئاسة الاولى ومعارضة لها. وموالاة للحكومة في ضوء تشكيلتها ومعارضة لها ليس في ضوء تشكيلتها فحسب بل في ضوء برنامج عملها. ولئلا تكون الحكومة الاولى بعد الانتخابات مجرد حكومة تجمع الاضداد لتسمى زورا وبهتانا "حكومة وحدة وطنية"، فان الرئيس سليمان سوف يجهد لان يجعلها حكومة برنامج وحدة وطنية يلتقي عليه بانسجام وتجانس جميع الوزراء المشاركين فيها بحيث تكون حكومة عمل وانتاج، حكومة مشاركة وطنية فعلا لا حكومة مشاكسة ومماحكة ليس فيها شيء من الوطنية.
ويرى بعض المراقبين انه بدل الدخول في خلافات بين قوى 8 و14 آذار على برنامج حكومة ما بعد الانتخابات تحول دون جمعهما في حكومة واحدة، فان خطاب قسم الرئيس سليمان قد يكون هو الاطار الجامع لاي برنامج حكومي ولاي بيان وزاري. وهذا الخطاب القسم هو الذي يفرز النواب في المجلس العتيد بين موال ومعارض، ولا تكون كتلة النواب المستقلين هي وحدها كتلة الرئيس كما يتصور البعض، انما تكون كل الكتل التي تتبنى خطاب القسم وتجعله اطارا لبرنامج الحكومة هي كتلة الرئيس. وهذا من شأنه ان يعيد خلط الاوراق داخل قوى 8 و14 آذار ويكون الرئيس بري الذي ينتظر ان يعاد انتخابه رئيسا لمجلس النواب وكرئيس للسلطة الثانية اول الداعمين للسلطة الاولى في تنفيذ ما تضمنه خطاب القسم، ويبقى على حلفائه او حلفاء حلفائه في المعارضة الحالية ان يحددوا مواقفهم ويأخذوا مكانهم في الموالاة او المعارضة الجديدتين ولا سيما منهم نواب "حزب الله" ونواب العماد ميشال عون.
الواقع ان ما حظي به الرئيس سليمان لم يسبق ان حظي به رئيس آخر من توافق وطني بلغ حد الاجماع ومن احتضان عربي ودولي غير مسبوق في حجمه وفي طريقة التعبير عنه، فكان بحق رئيس الاجماع اللبناني والعربي والدولي وبات لبنان، بعد الجولات العربية والدولية التي قام بها، قيمة سياسية استراتيجية وله دور في المحافل العربية والاقليمية والدولية وله اصدقاء كثر يوفرون له شبكة امان سياسية وامنية واقتصادية ومالية.
وجاء خطاب قسمه يعبر تعبيرا صادقا عن كونه رئيسا توافقيا لكل اللبنانيين ورئيسا لكل السلطات وحاضنا لهموم الناس واهتماماتهم بتطرقه الى كل المواضيع والمشكلات، فرسم به ملامح العهد واطاره السياسي فحظي برضى كل الاطراف واعجابهم وقبولهم والتقت التعليقات على القول إن خطاب القسم كان خطابا سياسيا كاملا متكاملا ومدروسا بدقة ومتوازنا ومتزنا، والاكثر ملاءمة مع دقة المرحلة والاكثر انسجاما مع مقتضياتها وتطلباتها وتوازناتها الدقيقة والحساسة. ولم يرسم الخطاب اطار العهد الجديد وبرنامج الحكم فقط، انما اعطى سمات لانطباع اول عن الرئيس الجديد وهي سمات الرصانة والاعتدال والواقعية من دون اغداق الوعود الكثيرة والكبيرة، اذ ان من يكبّر الحجر لا يستطيع ان يضرب به… فعرض المشكلات والاخطار والاخطاء من خلال مقاربة متوازنة ومحاكاة مطالب كل الافرقاء وهواجسهم وموزعا رسائله بميزان العدالة بين الاكثرية الممثلة بقوى 14 آذار والاقلية الممثلة بقوى 8 آذار، فارتاح الجميع لعبارات السيادة والاستقلال والحرية والديموقراطية وقبول نتائج الانتخابات، والتزام احكام الطائف والمحكمة ذات الطابع الدولي، وعدم استهلاك انجازات المقاومة في صراعات داخلية، بل توجيه البندقية في اتجاه العدو فقط وعدم السماح بأن يكون لها وجهة اخرى، ودعوة صريحة الى تنقية العلاقات مع سوريا من شوائب واخطاء الماضي واقامة علاقات ديبلوماسية معها. ودعا فيه الى "التوازن المطلوب في ما بين الصلاحيات والمسؤوليات بحيث يمكن المؤسسات بما فيها رئاسة الجمهورية من تأدية الدور المنوط بها، والى اعطاء الجنسية للمغتربين الاحق بها من الذين حصلوا عليها من دون وجه حق، وضرورة طي ملف عودة المهجرين بصورة نهائية واستعادة اللاجئين اللبنانيين الى اسرائيل وتطبيق اللامركزية الادارية الموسعة ورفض التوطين رفضا قاطعا، وتفعيل اجهزة الرقابة وتحقيق الانماء المتوازن، والاهتمام بالاقتصاد المنتج وتثبيت الاستقرار السياسي والامني والالتزام بالشرعية الدولية وقراراتها، ووضع استراتيجية دفاعية تستفيد من طاقات المقاومة".
لقد خاض مرشحون مستقلون الانتخابات على اساس العمل على تنفيذ مضمون خطاب القسم واعتباره برنامجا انتخابيا لهم، ويتوقع بعض المراقبين ان يتم تشكيل الحكومة الاولى بعد الانتخابات على اساس اعتبار هذا الخطاب برنامجا لها لا خلاف عليه بين جميع الاطراف عوض الدخول في متاهات البحث عن برنامج آخر تتضارب فيه الآراء والمواقف بين الكتل المتنافرة. واعتماد خطاب القسم اطارا لبرنامج الحكومة هو الذي سوف يفرز الكتل بين معارضة وموالاة، فاين سيكون موقع 14 آذار واين سيكون موقع 8 آذار في مجلس النواب العتيد لمعرفة عندئذ من منهما سيقدم مصلحة الوطن على المصالح الذاتية والتسامح على الحقد والكراهية، كي يخرج لبنان من نفق الازمات ولا يظل في داخله الى اجل غير معروف فيختنق…