#adsense

هل تمهّد مراجعة نصر الله لمصالحة شاملة؟

حجم الخط

الإلتفاف على الفشل لا ينفع ومحاصرة الفتنة كلٌّ لا يتجزأ
هل تمهّد مراجعة نصر الله لمصالحة شاملة؟

في إطلالته الأخيرة في ذكرى التحرير، قال الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله كلاماً كثيراً يستحق النقاش، أو تجب مناقشته في مقام تظهير الموقف بين الحزب ومعظم اللبنانيين، والطائفة السنية خصوصاً، من أحداث 7 أيار 2008، وهي نقطة أساسية لا مفر من التوقف عندها ومناقشتها بهدوء.

فبعد عشرة أيام من اعتباره يوم السابع من أيار "يوماً مجيداً من أيام المقاومة في لبنان"، أطل الأمين العام متوجهاً إلى أهالي بيروت وإلى الذين وصفهم بـ"سُنّة الموالاة" فأعلن قبوله اعتبار ذلك اليوم "يوماً أليماً وحزيناً نظراً لسقوط ضحايا فيه ولأن المقاومة تركت وحيدة يومها حين كانت تدافع عن سلاحها"، لكنه عاد فبرر القتال بوجود مشروع انخرط فيه "تيار المستقبل" ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة، ضد المقاومة و"حزب الله".
والواقع أن هذا الموقف فيه الكثير من الإيجابيات، ليس لأن السيّد الأمين العام راجع موقفه في مدى زمني قصير بعد صدمة الموقف الأول، وقد سبق أن تفنن مفوّهو "حزب الله" وكَتَبَتِهِ في تقليل شأن ما جرى في 7 أيار إلى حدّ وصفه بأنه "عمل موضعي نظيف"، بل لأنه يحمل بودار مؤشرات الى "مراجعة كاملة" قد يجريها الحزب لمجمل أدائه الداخلي خلال المرحلة السابقة، سيما وأن كلامه تضمن استعداداً للحوار والتلاقي مع الطائفة الدرزية يما يعكس ادراكاً لهذه المعاني، لكن دون أن يلغي ذلك هوامش من الملاحظات التي يجب وضعها أمام الرأي العام.

الفتنة الحاصلة والاستنفار المفهوم

بداية، تقتضي الحقيقة القول ان لبنان يشهد، منذ تظاهرة 8 آذار 2005 الشهيرة، استنفاراً سنياً ضدّ "حزب الله"، بحيث يبدو أن ثمّة فتنة سنّية ـ شيعيّة "كامنة" بالفعل وقد تصاعدت بشكل تدريجي، ورمي البلد في قلب تداعياتها.
وخلال السنوات الأربع الأخيرة، أكثر الحزب من نفي وجود هذه الفتنة أو القول إن "الفتنة وراءنا"، من دون أن يقرن القول بالفعل، فراكم الأخطاء في الوسط السني بما ولّد احتقاناً واستنفاراً وتوتراً لدى هذا الوسط، من دون أن يتوقع عزلة على هذا الصعيد، أو على الأقل، لم يحسب تداعيات "مواجهته" لسنّة لبنان على صورته كمقاومة ضد العدو الاسرائيلي التي (أي الصورة) أحبّها الجمهور "السنّي" في لبنان والعالم العربي.
وللتذكير، فإن "حزب الله" تعرض، خلال السنوات الأخيرة، للسنّة ومرجعياتهم السياسية والدينية على نحو مباشر ومسيء، فتجرأ على ما لم يتجرأ عليه أحد من قبل، أي إتهام القيادة السنية، السياسية، الوطنية، اللبنانية، في وطنيتها وعروبتها، فكانَ الرئيس فؤاد السنيورة وزعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري هدفاً للتخوين تكراراً.

هذا الخطاب لم يسلم منه مقام مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني الذي سماه إعلام الحزب مرة "أحد المشايخ"، وتعرضت دارته للحصار أثناء أحداث 7 ايار، وهو الخطاب عينه الذي شارك في حملة وسم بعض السنة بـ "الإرهاب".
"حزب الله" مضى في "سياسته"، ساعياً الى استلحاق "سنّة" أو تشكيل توليفات سنّية تحت مسميات شتى وإدخالها في أجندة أمنية وسياسية أو لاستخدامها في الداخل السني بهدف الإرباك أو الإحراج أو العرقلة، في وقت "قطع" مع "الجماعة الإسلامية" بما هي تيار إسلامي معتدل ويحملُ خياراً لبنانياً وسطياً.

وقبل كل هذا وبعده، فإن للحزب موقفاً ملتبساً لا يمكن تجاوزه من المحكمة الدولية ـ التي هي محكمة خاصة لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري- مع ما يعنيه ذلك للسنة خصوصاً واللبنانيين عموماً.
الى غير ذلك من مواقف ومحطات توجت كلها بيوم 7 أيار حيث استخدم السلاح استهدافاً للسنة في الشمال والبقاع وبيروت التي جرى اجتياحها عسكرياً وترويع أهلها وقطع طرقها وتعطيل مطارها، وتطويق المقارّ الرسمية فيها، مع ما رافق ذلك من مآسٍ بقتل الأبرياء واستباحة المؤسسات الاجتماعية والإعلامية والصحية والتربوية التابعة لـ "تيار المستقبل"، وقبل ذلك وبعده إحراق صورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفع صورة "أحدهم" مكانها.
كل ذلك أوقع الحزب في خصومة ليس مع "سنة الموالاة"ـ كما يقول ـ بل مع البيئة السنية عموماً. وفي كل ذلك كان الحزب تارة يقول إن الفتنة لن تقع أو انه "الضمانة" لعدم حصولها.

التواضع كمدخل للمصالحة

هذا الكلام ليس لنكء الجراح، بل لتقرير واقع وهو أن ثمّة مشكلة سنّية ـ شيعيّة واضحة. وثمّة مصالحة سنّية ـ شيعيّة لا بدّ منها. فما المطلوب؟.
قبل أيام، وفي معرض تعليقه على الحملة التي تستهدف رئيس الجمهورية ميشال سليمان، طلب النائب الحريري "بعض التواضع" في مقاربة الشأن الوطني، وهو سبق أن كرر القول في أعقاب أحداث أيار ان ما جرى "جُرْح عميق يحتاج إلى مبادرات وخطوات لمداواته"، بما يعنيه ذلك من دعوة لتجاوز المحنة التي خلفتها تلك الأحداث من باب الاعتراف بالخطأ الكبير للانطلاق بعدها نحو التأسيس للمرحلة المقبلة.
المطلوبُ إذاً من "حزب الله" أن يراجعَ تجربته السنّية وأن يستخلص الدروس وأن يعلنها بما يؤسّس لمصالحة سنية ـ شيعية تدعم المصالحة الوطنية، وفي ذلك تحدٍ لصون الحزب لصورته وتاريخه اللذين تزعزعا كثيراً يومَ انقلب ـ بقرار منه أو بقرار استدرج إليه ـ على كل تاريخه وصدم كل من أعجبوا سابقاً ببطولاته وتضحياته وبسالة مقاوميه، كما بترفعه عن مظاهر النفوذ ومغانم السلطة وحساباتها الضيّقة.

.. إن نفعت الذكرى

قديماً قال العقلاء: "صديقُك مَنْ صَدَقَك لا مَنْ صدَّقَك". لكنّكم ـ شركاء الوطن والدين في "حزب الله" ـ لا ترون هذا الرأي. فأنتم مصرُّون على تخيير اللبنانيين جميعاً بين الهيمنة أو التعطيل، بين الرضوخ أو الاتهام، بين الشارع أوِ الشارع. وكل ذلك حربٌ على هذه الأخوّة وعلى الاستقرار وعلى الشراكة الوطنية والعيش الواحد والمصير المشترك وعلى التفكير في المستقبل.

سبق أن قيل، ويجب أن يعاد القول، ان الذين يقولون لكم إن الإعتذار من مواطنيكم واجب وطني وأخلاقي وتاريخي، هؤلاء يصدقونكم القولَ فعلاً، أياً تكن اللهجةُ التي تنطقُ بذلك.
والذين قالوا ويقولون لكم ان ثُنائية التنظيم المسلَّح/الدولة، لا تصحّ ولا تَستقيم، تحت أي مسمّى، صدقوا ويُصدقونَكم القول. وهذه المقولةُ بعد "اليوم الأليم" وغير المظفر في 7 أيار أقوم وأصلحُ منها قبل ذلك. ولن يفيد في شيء العنف الكلامي والضغط لأن الخِيار الآخر أن نهلك جميعاً كما نحن مأزومون جميعاً.

ولقد صَدَقكم القول الذين يصارحونكم بأنّ الخير في التواضع والانتماء والاستقلال. وليس من الخير في شيء أن نكون ساحة أو رأس حربة لأحد. لأننا لا نقدر من جهة، ولأننا لسنا وحدنا في هذا الوطن وهذه المنطقة من جهة ثانية.
المراجعة والنقد والتواضع وإزالة والهواجس والقلق والاحتقان، يتجاوز ما قبله، لكنه لا يلغي ما بعده. وما بعده والباقي هو نحن وأنتم واللبنانيون جميعاً الذين يريدون الوطنَ والدولةَ والحياةَ الحرةَ والكريمة والعيش الواحد، وهم جميعاً أصحاب المصلحة في أن تكونوا حزباً يشارك وبفاعلية في إقامة أو تطوير الدولة القوية والقادرة، ويقدم النموذج في القدرة على الابتعاد، قولاً وفعلاً، عن الشارع المسلح والخطاب المتوتر الذي يضيع التاريخ والمكتسبات والوطن.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل