الشهداء وراء العازل !
للمرة الثالثة نتقاطر الى هذه المناسبة(*) ذات الرمزية الخاصة للاحتفال بتوزيع جائزة الشهيد جبران تويني، الفارس الذي امتطى صهوة الحرية والسيادة والاستقلال ولن يترجل. الرمح الذي تعمّد بالحبر المضيء، وحلّق بالدم البريء ولن يتوقف. الصوت الذي تجاوزه صداه تيضل الصوت يودّي وسيودّي بالتأكيد بعد عشرة ايام، وهو يخرج الآن شفافا على عزم، طريا على تصميم، نقيا على ارادة، موشوشا على دوي، ارثوذكسيا على استقامة، لبنانيا على ايمان، شبابيا على وعد، واعدا على وفاء.
انه صوت كريمته نايلة حاملة الراية، راية غابي، مستعيرة حنجرة غابي، ممسكة بقلم غابي، رافعة قسم غابي، مرددة جوهر ذلك القسم الذي استعمل كلمة العظمة مرتين:
مرة عندما دعا الجماهير الى القسم "بالله العظيم"، ومرة ثانية عندما صرخ بالوحدة من اجل "لبنان العظيم".
يعرف رفاق جبران تويني انه تعمد ان يرفع الوطن الى مقام الله جل جلاله. ان يجعل لبنان في مصاف السماء، ربما لانه، ولتسمع الاشرفية والدائرة الاولى وبيروت والـ 10452 كيلومترا مربعا، في استقامته ونزاهته وبراءته وحماسته واندفاعته ووطنيته عَبَدَ ربين، نعم عبد ربين: الله ولبنان.
نعم، لانه عبَدَ لبنان، واستشهد للبنان، لسيادة لبنان، لاستقلال لبنان، لوحدة لبنان، لحرية الانسان في لبنان، وكرامة الانسان في لبنان، وتقدُّم الانسان في لبنان، ولفرادة هذا الوطن وقيمه ومُثُله، لبنان الذي صدّر المعرفة والعلم، فأعاقوه وجعلوه حلبة للصراعات والوحول، حلبة تصدّر المآسي وتصدر الوحول وتصدر الدماء، وتصدر الابناء وتصدر القهر والمرارات.
❐ ❐ ❐
نجتمع اليوم لمناسبة الاحتفال بتوزيع جوائز الشهيد جبران تويني، ويحضرني الآن كما يحضرني غالبا، وانا اطل من مكتبي في "النهار" على تلك الساحة الإغريقية بامتياز، ساحة الشهداء، حيث يختلط الالم بالمجد، ويتزاوج الدم بالحرية، وتهتف السيادة من اعماق الشهادات والجروح، يحضرني جبران واقفا وفي قلبه نار، وفي عينيه حزن، وفي نظراته تصميم وغضب، واقفا يتوسط تجمعا للصحافيين حاملا كما حملوا قلما مرفوعا وسط صمت جليل، بعد اغتيال رفيقنا الشهيد سمير قصير.
نعم، رفعنا ونرفع القلم في وجه الجريمة، رفعنا ونرفع الحرف في وجه السيف، رفعنا ونرفع الكلمة في وجه الوحش، رفعنا ونرفع الحبر في وجه الليل ليصير اسود على ابيض من اجل الحقيقة والخير والنمو والتطور والحياة الكريمة لهذا الانسان اللبناني المفعم بالمآسي.
عندما سرنا وراء محفة جبران، ولا اقول نعشه، لان المحفة للملائكة والنعوش للموتى، والشهداء احياء في الحاضر والمستقبل، لم نجد لغة للتعبير عن الفاجعة، وعن الالم وعن الاسى العميق، وعن الغضب الاعمق، وعن التصميم، وعن التمسك بالنضال، من اجل سيادة لبنان وحرية ابنائه وكرامتهم وعزتهم وتقدمهم، لم نجد لغة سوى سقسقة الدموع تشطف ساحة الشهداء، وتصفيق الايدي تقرع كبد الفضاء.
❐ ❐ ❐
جنازات صامتة، تسير وراء المحفّة ويعلو التصفيق. نصفق للبطولة؟ للمأساة؟ للشهادة؟ لا، نصفق تأكيدا للعزم والثبات والعناد والاستمرار.
انه تصفيق الضحية للجلاد، لكنه انتصار الضحية على الجلاد، احتقار الضحية للجلاد، انتصار الحقيقة على المؤامرة، ودحر الفجر لليل، والشروق للظلام، والنور للعمى، والمعرفة للتعمية.
انه تصفيق الايمان، تيضل الصوت يودّي ويودّي اكثر، حتى قبة سماء الاشرفية الزرقا، الزرقا مثل ديك النهار، ومثل صوت جرس ارثوذكسي ينطلق من عصب الاشرفية، من فائض عصب الاشرفية ومار الياس ومار مخايل ومار نقولا وكل القديسين الذين استشهدوا من اجل لبنان:
رفيق الحريري، باسل فليحان، سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، وليد عيدو، بيار الجميل، انطوان غانم، فرنسوا الحاج ووسام عيد، وكل الابرياء الذين سقطوا ليصير دمهم حبر كرامة لبنان.
في كل مناسبة، مثل هذه المناسبة، سيختلط الالم بالامل، والمرارة بالفرح، والقنوط بالرجاء. ليس لاننا نتقاطر لتوزيع جائزة جبران تويني السنوية، بل لاننا نعرف دائما ان جبران وزع نفسه شهيدا جوائزَ على لبنان مثل قربان مشوتف، ولاننا الآن قبل 10 ايام من السابع من حزيران نعرف امرين:
اولا: ان من يحمل راية القسم لعظمة لبنان بعدما رفعها جبران الى مرتبة الله هي ابنته نايلة التي تدخل المعترك على ابجدية تقول: أن تعبدوا الله اعبدوا لبنان. وان تعبدوا لبنان اعبدوا سيادة الوطن. وان تعبدوا السيادة اعبدوا الاستقلال. وان تعبدوا الاستقلال اعبدوا الحرية. وان تعبدوا الحرية اعبدوا المعرفة. وان تعبدوا المعرفة اعبدوا الضوء واسمعوا صياح الديك فجرا.
هذا هو روح التغيير. وهذا هو معنى التغيير. وهذا هو جوهر التغيير. وهذا هو تغيير التعمية بشعارات التغيير.
ثانيا: تذكروا ان جبران ورفاقه الشهداء، كل الشهداء، سواء الذين حظوا بالتصفيق وراء المحفات او الذين حظوا بالانين والدموع فحسب. تذكروا انهم اسقطوا من وراء عازل الحياة ورقة الدم والشهادة في صناديق الوطن والسيادة.
تذكّروا في 7 حزيران، ان الشهداء يتوزعون على صناديق الاقتراع، ينتظرونكم يصافحونكم ويعانقونكم وراء العازل قائلين:
صوّتوا للبنان للدولة الواحدة للسيادة، للحرية، للاستقلال، للمستقبل الواعد. وتذكروا ان من برع في التعطيل لا يُحسن التقدم، ومن برع في العرقلة لا يملك خريطة طريق للوطن ولو ادعى.
(•) مقاطع من كلمة القيت في نادي الصحافة لمناسبة توزيع جوائز جبران تويني.