القضية هي استبقاء جزين
انتقلت طوعاً الى "المنبر"، وقصداً خارج موعد الاربعاء، لأن الموضوع ليس لبنان بل قضاء من اقضيته الجميلة. وجزين، بالنسبة اليّ، مسألة شخصية جداً وحميمة كثيراً، هي وقراها وانهرها وغاباتها. واخترت "المنبر"، او لجأت اليه، لأنني في موضوع جزين، وابنائها وطرقاتها وارضها ووجهها العريق، لست محايداً ولا موضوعياً ولا مستقلاً. انا هنا ناخب لي مشاعري ولي مواقفي ولي مخاوفي ولي عمر ولي أهل ولي بيت ولي اصدقاء.
وفي هذه اللحظة بالذات، لن اتخلى عن احد ولا عن شيء وتعني الكتابة في "المنبر" انني مسؤول فقط عن نفسي واريد ان أفاخر بهذا الاعتزاز. وان أقول لابناء جزين ان يمارسوا حريتهم كما تعودوها، وان يمارسوا نموذجيتهم في الشركة الوطنية كما مارسوها منذ اليوم الأول للاستقلال، يوم كانوا جزءاً، او جوهراً، من لائحة نيابية واحدة عمادها رياض الصلح وأحمد الأسعد، ولم يكن احد يحصي عليهم من هو السني ومن هو الشيعي ومن هو المسيحي. وقد امضيت عمراً لا أعرف ان الياس ابو مرعي شيعي ولا اثيرت مسألة الانتساب هذه مرة، حتى بطريق الخطأ.
وقد شعرنا بشيء من الاهانة، ابناء جزين، ان يقرر التيار العوني خوض المعركة على مدى لبنان وان يمنع الرئيس نبيه بري من خوض معركة جزين من خلال مرشحه ورفيقه النائب سمير عازار. فالحق الشيعي في تمثيل القضاء هو حق الذكر في الميراث. والهم الشيعي في المنطقة ليس أقل من الهم المسيحي. وشركة الارض والمصير تثير المفاخرة بأن جزين أوضح وألمع وأعرق صورة مصغرة للأسر اللبنانية. ولا يلتقي أذان الفجر بناقوس القداس في مكان، كما يلتقي ما بين تلّة مشموشة وتلّة روم.
وقد حصل هذا منذ الذاكرة لا منذ المذكرات. وقبل قيام الاحزاب وظهورها وظهور مطالبها باسترداد جزين، كان بولس سلامة هو خطيب عاشوراء، في العشر الأواخر من محرم. كل عاشوراء. وكنا جميعاً كمسيحيين، ولا نزال، نرى في بنواتي السنية وعائلاتها الكريمة، عائلات العدل والقانون، نرى فيها ملاذاً لا نراه في المسيحيين.
ثمة حقائق تاريخية واجتماعية لا يمكن، ويا للأسف، تغييرها او اصلاحها او الغاؤها. لا يمكن الهبوط بالمظلة – مهما تفشت عقلية المظليين – على اعمارنا وعلاقاتنا وانتساباتنا ووفائنا. واسارع الى القول ان لا مأخذ لي، من اي نوع، على اي من مرشحي التيار ولائحته. فأنا لا اعرف احداً منهم. ويسعدني جداً أن أتعرف اليهم الآن. فقد تكون هذه مقدمة ممتازة للانتخابات المقبلة. لكنني لا أرى، بأي عقل او ضمير او وفاء، يمكن ان اتخلى عما فعله إدمون رزق لجزين منذ اربعين عاماً، او عما بذله سمير عازار من أجلها.
أنا لست حائراً على الاطلاق. ولا أنا أؤمن بديكتاتورية اللائحة واعتبر ذلك أمراً اخلاقياً. العكس. أنا اعطيت حرية الخيار وسوف أمارس هذه الحرية تحت الأضواء لا في الغرفة السرية. فالقضية هذه المرة ليست استرداد جزين. فهي ليست سلعة تبدل وترد وتسترد. وهي ليست فالقاً ضائعاً من جرود البترون. هذه أرض الفكر والشعر ورجال الاستقلال.
ليختر كل منا من يشاء. وبموجب المثل التي نشأنا عليها في القضاء الصغير، سوف أحمل ضميري – أو يحملني – لأقترع من أجل سياسي في حجم ادمون رزق وحارس أمين في سيرة سمير عازار. بكل اعتزاز. ومع الدعاء بالتوفيق للذين يأملون ببناء حجم وسيرة.