الولايات المتحدة ستعيد تقويم طبيعة سياستها في ضوء نتائج الانتخابات والحكومة الجديدة
يواصل المسؤولون الاميركيون التأكيد ان "طبيعة السياسة الاميركية، وبرامج مساعداتها للبنان سيعاد تقويمها في ضوء نتائج الانتخابات النيابية وسياسة الحكومة الجديدة" التي ستشكل على أثرها. ومع ان هؤلاء المسؤولين يقولون ان الحكومة الاميركية لن تعاقب لبنان في حال فوز قوى 8 آذار في الانتخابات من خلال قطع المساعدات الاقتصادية او تعليق الامدادات العسكرية، الا انهم يحذّرون من ان أي حكومة جديدة يكون "حزب الله" القوة الرئيسية وراءها ستؤدي الى "ردود فعل سلبية من الكونغرس يمكن ان تقلّص من قدرة ادارة الرئيس اوباما على دعم لبنان، لان البعض في الكونغرس سوف يقول انها تمثّل مشكلة مماثلة لمشكلة حكومة "حماس" في غزة، وهذا تقويم لا نوافق عليه". ويضيف هؤلاء ان حرارة الدعم السياسي للبنان في واشنطن، حتى من الشخصيات التي تقف وراء هذا الدعم، سوف تخف كثيرا.
ويرى بعض المسؤولين الذين تحدثت اليهم "النهار" ان طبيعة النظام اللبناني وتركيبته السياسية والمحاصصة الطائفية والتوازنات الاقليمية، تحول دون بروز حكومة "راديكالية" بالفعل، وان يكن ذلك لا يمنع بروز حكومة تتعاطف مع المحور السوري-الايراني-القطري اكثر من المحور السعودي-المصري المدعوم من اميركا، مع ما يحمله ذلك من مضاعفات سلبية على علاقات لبنان الدولية وعلى السلم الاهلي.
ويشدد هؤلاء على ان "تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية يشكل افضل فرصة لبناء السلام والاستقرار داخل لبنان وفي المنطقة. وان انتخاب نواب يلتزمون سلطة القانون والاصلاح الاقتصادي سوف يفتح الباب امام لبنان لتحقيق المزيد من النمو الاقتصادي والازدهار".
ويضيفون "ان أي حكومة لبنانية تدور في فلك حزب الله وحلفائه اللبنانيين والاقليميين سوف توتّر علاقات لبنان بمنظمات دولية تساعده سياسيا وماليا مثل الامم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتؤخّر او تعلق انضمام لبنان الى منظمة التجارة العالمية، كما تؤثر سلبا على رغبة الاجانب بالاستثمار في لبنان. كما تؤثر على السياحة في لبنان".
ويرى المسؤولون الاميركيون الذين تحدثنا اليهم ان المؤسسات الدولية، في حال تشكيل حكومة لبنانية تعمل في ظل "حزب الله" سوف "تتخوف من احتمالات المواجهة مع اسرائيل ونجاح حزب الله وحلفائه في اختراق مختلف مؤسسات الدولة اللبنانية". ويشيرون الى ان حكومة لبنانية خاضعة لنفوذ "حزب الله" سوف تخلق مشكلة مع مجلس الامن القومي لان ذلك سيؤثّر سلبا على التطبيق الكامل لقرارات مجلس الامن مثل القرارين 1559 و1701 وغيرهما.
ويقول هؤلاء المسؤولون ان اي حكومة جديدة في بيروت يقف وراءها "حزب الله" قد ترغم الدول العربية مثل السعودية والكويت ودولة الامارات على اعادة النظر في مساعداتها للبنان. ويلفتون الى ان الوديعة السعودية في المصرف المركزي اللبناني التي تزيد على ملياري دولار لدعم الليرة، قد لا تبقى في بيروت، وربما "هاجرت" معها ايداعات عربية مهمة لمستثمرين خليجيين رأوا أخيرا في المصارف اللبنانية ملجأ آمنا لان هذه المصارف لم تتأثر سلبا بالازمة المالية العالمية كما تأثرت بها اسواق مالية اخرى. وسوف تكون لمثل هذه التطورات "مضاعفات كارثية" على الليرة والاقتصاد اللبناني بشكل عام.
الا أن ثمة من يرى في واشنطن انه "في حال تشكيل حكومة يكون وراءها حزب الله وكتلة النائب ميشال عون، فيحظى الرئيس ميشال سليمان باهتمام ودعم اكثر من اميركا والعالم، وتتركز الآمال عليه لكي يضطلع بدور قيادي اكثر إن في تعامله مع سوريا أو في رعاية الحوار الوطني ومنع البلاد من الانزلاق الى محاور اقليمية خطيرة".
ويضيف هؤلاء "ان واشنطن ستواصل، بقطع النظر عمن سيشكل الحكومة اللبنانية الجديدة دعمها لمؤسسة الجيش، إن بالامدادات العسكرية او بالتدريب (على افتراض ان الكونغرس لن يقطع المساعدات العسكرية). كما ان واشنطن تأمل في مواصلة دعم المؤسسات والوزارات المهمة لصون مجتمع يسود فيه القانون والشفافية مثل وزارتي العدل والمال، اضافة الى مواصلة التعامل مع البرلمان".
ويشدد المسؤولون الاميركيون على ان موقفهم من "حزب الله" لم ولن يتغير ما دام الحزب لم يتغير جذريا، ولذلك "لن يكون هناك أي حوار مباشر مع أي عضو في الحزب، الذي نصنفه منظمة ارهابية اجنبية". ويشير هؤلاء الى انه في حال قام "حزب الله" بنزع سلاحه بالكامل ونبذ الارهاب واوقف دعمه للارهاب داخل لبنان وخارجه، "عندها سنعيد تقويم وضعه" ويضيفون انهم لا يتعاملون الآن مع وزير "حزب الله" في الحكومة الحالية محمد فنيش (وزير العمل)، الا انهم يواصلون خدمة المصالح الاميركية من خلال التعامل مع الموظفين الحكوميين الآخرين في الوزارة.
ويرفض المسؤولون الاميركيون الطروحات التي تقول بأن مجرد انتخاب قوى مثل "حماس" او "حزب الله" يعني ان الولايات المتحدة يجب ان تتعامل معها. ويوضحون "ان انتخاب مثل هذه القوى شيء، وعدم تعامل اميركا معها بسبب خلافات جوهرية، شيء آخر. كما ان انتخاب فريق او حزب او شخص في عملية ديموقراطية نزيهة لا يعني بالضرورة ان الطرف المنتخب هو ديموقراطي بممارساته وبرامجه”. ويشدد هؤلاء على "ان أي انتخابات يشارك فيها وينتصر طرف مسلح في مواجهة منافسين غير مسلحين لن تكون انتخابات عادلة ونزيهة بالمعنى الحقيقي للعدالة والنزاهة".
ولا يخفي المسؤولون الاميركيون انزعاجهم من اطراف أجانب اما لدخولهم في حوار مع "حزب الله" كما فعلت بريطانيا، او لقول هؤلاء الاطراف مثل الاتحاد الاوروبي حتى قبل الانتخابات انهم مستعدون للتعاون مع أي طرف يفوز فيها.
وكان هناك انزعاج واستغراب في الأوساط الرسمية في واشنطن من التقارير الصحافية (اولا في صحيفة "الفايننشال تايمس" البريطانية ثم "النيويورك تايمس" الاميركية) التي نسبت الى مسؤولين في "حزب الله" قولهم انهم يتفاوضون مع صندوق النقد الدولي (وفر للبنان 114 مليون دولار السنة الماضية) لمواصلة تزويد لبنان القروض حتى في حال تشكيل الائتلاف الذي يقوده "حزب الله" حكومة جديدة. وكان الصندوق سارع الى نفي وجود مفاوضات من هذا النوع مع "حزب الله"، مشيراً الى أنه يتحدث مع مختلف القوى السياسية في لبنان. ولفتت وزارة المال الاميركية، الى "ان صندوق النقد الدولي لا يقدم القروض الى الاحزاب او الحركات السياسية بل الى الحكومات المستعدة للقيام باصلاحات اقتصادية. وقال مسؤول في الوزارة انه خلال زيارة اخر بعثة من الصندوق الدولي للبنان، فانها لم تجر أي اتصالات سياسية مع أي فريق خارج الحكومة "لتفادي التدخل في الانتخابات المقبلة". وشددت الوزارة على ان الصندوق أكد بوضوح "انه لم يتفاوض مع حزب الله بشأن أي برنامج للاقراض في المستقبل".