#adsense

الحلّ مع “حزب الله” لا يكون بالصدام ولا بالحوار ولا بالانتخاب: إما المصالحة الدستوريّة وإمّا المقاطعة التاريخية

حجم الخط

الحلّ مع "حزب الله" لا يكون بالصدام ولا بالحوار ولا بالانتخاب: إما المصالحة الدستوريّة وإمّا المقاطعة التاريخية

يستكبر الممانعون ويفرضون على لبنانيي الإستقلال برنامج "عذابات حد أدنى" حتى ولو فازت قوى 14 آذار في الإنتخابات. قوام هذا البرنامج الإمعان في التعطيل والتهديد باستئناف أعمال التنكيل. أمّا برنامج "عذابات الحد أقصى" فسيحرّر فيما لو خسرت قوى 14 آذار الإنتخابات، ومن شأنه نقل البلد من أرخبيل الجزر الأمنية الموسّعة بالقضم تارة وبالتغلّب تارة أخرى، إلى أرخبيل معسكرات الإعتقال الجماعيّة، المحكومة بأيديولوجية آسيوية ظلاميّة لا تشبه لبنان ولا تشبه مجمل حضارات الحوض الأبيض المتوسّط.
ثمة حاجة إذاً لخيارات مضادة تماماًَ في وجه هذا الإستكبار الممانع، ولتحسين شروط الصمود أمام من يحسب أنّه بات أكبر من وطنه ومن الدنيا، وأنّ بلاد المشرق خلت من هرقل وصارت طيّعة تنتظر كسرى.
وهذه الخيارات المضادة لا تكون بالرّد على عنف كلاميّ بعنف كلاميّ آخر، ولو كانت من غير السليم سياسيّاً أن يكون الرّد على العنف الكلاميّ باللاعنف الكلاميّ. وفي المقابل، من السليم سياسيّاً التجهّز دائماً لمقابلة أي تحية تبدر من الطرف الآخر بأفضل منها، حتى ولو جاءت هذه التحية متواضعة أو ملتبسة أو مفخّخة.
يبقى أن الخيارات المضادة لا تقاس بعنف الكلام أو هدوئه. ولأجل ذلك فمن المطلوب التوجّه ليس فقط لمخاطبة الناخبين المحدّدين أو الممكنين للحركة الإستقلالية، وإنّما لمخاطبة ناخبي الفريق الآخر قبل قياداته.
وإذا كان الفريق الآخر يخيّر الإستقلاليين، قيادات وقواعد، بين عذابات صغرى وعذابات كبرى، فعلى الإستقلاليين واجب تخيير الفريق الآخر، أيضاً قيادات وقواعد، بين مشروعين لإنقاذ الوطن اللبنانيّ.
من واجب الإستقلاليين مثلاً التوجّه إلى كلّ من قيادات وقواعد "حزب الله" في الوقت نفسه.. هذا البلد بلدنا كما هو بلدكم.. ليست هذه مصادفة، إنّه الواقع.. قد تشكّكون بمعظم اللحظات التأسيسية التكوينية للوطن.. من الـ 1920 لحظة الولادة والإستقلال "الصفر"، إلى 1926 لحظة النطق والدستور، إلى 1943 لحظة سن الرشد والإستقلال الأول المبني على معادلة "لبنان بجناحيه"، إلى 1989 لحظة إعادة تجديد الصيغة على أساس المناصفة، إلى 1992 لحظة إنطلاقة مسيرة إعادة إعمار ما تهدّم أثناء الحرب الأهلية. وفي المقابل أنتم أصحاب اللحظة الجوهرية السادسة، لحظة تحرير الجنوب عام 2000، كتتويج لتاريخ من نضالات وتضحيات. إلا أنّكم أخصام اللحظة السابعة، أي لحظة الإستقلال الثاني لعام 2005، وأخصام طبيعيين للحظة الثامنة المنتظرة، لأنها تتعارض بشكل لا لبس فيه مع مصالحكم، كونها تقوم على استرداد ما تملكونه من سلاح.
إذاً المشكلة كبيرة جداً، لأنّها متعلّقة بتجاهل "بيئة حزب الله" لستة لحظات لبنانية جوهرية من أصل ثمانية، ووقوف هذه البيئة في وجه لحظة سابعة، وتعاملها مع اللحظة الثامنة المنتظرة على أنها حرب وجودية عليها كبيئة، وهي إلى حد كبير تستلزم إعادة تكوين هذه البيئة، وينبغي أن يكون المرء صريحاً في هذا الشأن.
وفي المقابل، ثمة باب، بل منفذ لإعادة الوصل: هو الإسهام الرئيسيّ الذي حققه "حزب الله" وبيئته عام 2000 من تحرير الجنوب، ويمكن عطف صمود 2006 عليه. هذه لحظة من أصل ثمانية جوهرية في تاريخ تحقيق لبنان كدولة تامّة ووطن نهائيّ. لكنها لحظة ما زال أصحابها ينفون ما سبقها ويكفرون بما لحقها أو بما سيأتي وهنا المشكلة.
السنوات الأربع أعطت انطباعاً بأن دمج لحظة 2000 في أسرة اللحظات التكوينية الثمانية مسألة مستعصية: أحياناً تفجيرية، وأحياناً انقلابية، ودائماً بأفق انفصاليّ.
لكن السنوات الأربع الماضية ولّدت أيضاً القناعة الراسخة عند قسم أساسيّ من اللبنانيين بأنّه لا يمكن أن يكون البلد قابلاً للعيش إلا بدمج اللحظة التي حققها "حزب الله"، في إطار اللحظات اللبنانية التكوينية الثمانية التي على أساسها يكون "لبنان أوّلاً".
السنوات الأربع الماضية أثبتت أيضاً بأن هذا الدمج لا يكون لا بـ"الصدام" ولا بـ"الحوار"، لا بوجود "حزب الله" داخل الحكومة ولا خارج الحكومة. كذلك ينبغي الإعتراف بأننا "حيّرنا" حزب الله: قلنا له لا تتخطّى الخط الأزرق بسلاحك، ثم لا تتجاوز القرار 1701 بسلاحك، حتى إذا قرّر تناسي الخط الأزرق والقرار 1701 والتوجه شمالاً أقفل المطار واجتاح بيروت وجرّب في بعض الجبل. لكننا بعد أن "حيّرناه" و"حيّرنا" بل "أوجعنا" صار السؤال الذي نوجّهه إليه "ماذا ستفعل بسلاحك" غير بعيد عن السؤال الذي يطرحه بشكل أو بآخر على نفسه "ماذا سأفعل بسلاحي" في مرحلة تحدّدت أطرها في القرارين 1559 والـ 1701، وأيضاً في "صلح الدوحة"؟ المناورات في مقابل المناورات؟ مناورات في الخارج وفي الداخل؟ هذا لا يكفي. لا يشبع. لا يسمن.
حل هذه المسألة "المستعصية" لا يكون إذاً لا بـ"الصدام" (وحده) ولا بـ"الحوار" (وحده) ولا بـ"الإنتخابات" (وحدها).
إنمّا يكون الحلّ بإقتراح برنامجين لإنقاذ الوطن وتفادي الفتنة وتعطيل الإحتمالات الإنقلابية كما الإنفصالية.
البرنامج الأوّل، مثاليّ قدر ما هو ثوريّ، ويقوم على دعوة "حزب الله" ومن ورائه كافة لفيف 8 آذار للمصالحة الشاملة والدستوريّة، وشرطها الأوّل إتفاق كافة الأطراف على منح رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان فرصة استثنائية وفوق العادة لإصلاح ذات البين، وتقديم تصوّره الشامل للخروج من النفق، وتصوّره المحدّد لإستئناف الفصل بين السلطات، وإعادة تحقيق التوازن بين السلطتين التنفيذية والإجرائية، وتطوير قدرات القوات المسلّحة وتوسيع سلطانها الميداني، وبلورة مشروع شامل لحماية المقاومة والمقاومين ينطلق من القرار 1701، وإعادة إيجاد التوازن في علاقات لبنان العربية والدوليّة.
أما البرنامج الثانيّ، فقد يكون أصعب لكنه يبقى أكثر واقعية في حال استمرّ "حزب الله" على رفضه لمقدمات "المصالحة الدستورية" معه. البرنامج الثاني لا يكون بإعداد العدّة لمواجهة مع "حزب الله" ذات يوم، أو للمطالبة بإنفصاله أو بإنفصالنا عنه. لا يبني البرنامج الثاني على قاعدة تنظيم "الصدام" بين ثقافة للإستقلال وأخرى للممانعة، أو على قاعدة ابتداع مبارزة ثقافة الممانعة في حقل الشعارات التعبويّة القومجيّة.
البرنامج الثاني يكون بالإستعداد لإشهار المقاطعة التاريخية الثقافية الشاملة. بمعنى أنّه إذا ما استمرّ "حزب الله" على منطق الغلبة و"ما لنا لنا وحدنا وما لكم لنا ولكم"، وإذا ما استمرّ على رفضه للدستور وللمصالحة في ظلّه، فإنّ الأنفع للبنان واللبنانيين هو تجاهل "حزب الله" وسلاحه تماماً، والتواصل معه في الحدّ الأدنى، وإقامة نوع من "جدار حديديّ" معنويّ إفتراضيّ معه، وشيئاً فشيئاً التصرّف كما لو أنّه غير موجود، فلا حوار ولا سجال، وإذا ما أراد "المشاركة التخوينية" فلا بأس بـ"مشاركة باردة"، مشاركة تشبه تصرّف الحيّ تجاه الميت.
والحق إنّه إذا كانت الأيام المقبلة لن تزكي منطق "المصالحة الدستوريّة" فإن منطق المقاطعة التاريخية الثقافية الشاملة لـ"حزب الله" تحديداً ولثقافات 8 آذار مجتمعة، هو الطريق الوحيد للحركة الإستقلالية لإعادة تجديد نفسها، ولإحياء مشروع إنقاذ لبنان.

وسام سعاده

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل