وعدُ نصر الله بتسليح الجيش إيرانياً وعدٌ بتغيير يمسّ الكيان والنظام والموقع.. وذو تداعيات على السلم الأهلي
..لكن هذا هو لبنان!
ماذا يعني أن يعِد الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بتسليح الجيش من إيران في حال فوز 8 آذار في الإنتخابات النيابية؟
في "بداية" الجواب عن هذا السؤال، ثمّة إجماع على إعتبار أن ما طرحه نصرالله ليس مسألة "تقنية" ولا مجرد وعدٍ بـ"تحسين" تسليح الجيش على إفتراض أن السلاح الإيراني أفضل من غيره أو أنه بلا ثمن سياسي. ثمّة إجماع على خطورة هذا الطرح من زوايا أساسية عدة.
تغيير مصدر التسلّح: مصر الناصرية مثالاً
الزاوية الأساسية الأولى هي أن تغيير مصدر تسليح الجيش، أي جيش في أي بلد، هو عنوان لتغيير "موقع" أي بلد على خارطة العالم، وموقعه – السياسي – من القضايا والملفات والنزاعات التي تعني هذا البلد في إقليمه، في منطقته وعلى الرقعة الدولية. فعلى سبيل المثال، عندما قررت مصر الناصرية في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي إبرام صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا الشيوعية، لم تكن تُقدم آنذاك على مجرد تغيير في مصدر التسلّح أو مجرد تنويع لمصادر السلاح، لأنها كانت بالفعل تعلن إنتقالها من معسكر الى معسكر آخر، أي كانت تنتقل الى "المعسكر الشرقي" – ولو بمسمّى عدم الإنحياز والحياد الإيجابي – فيما كانت "الحرب الباردة" قائمة على قدم وساق بين الشرق والغرب.
آخر إنتخابات إذا فاز 8 آذار؟
والزاوية الأساسية الثانية هي أن مصدر التسليح الذي يطرحه السيد نصرالله، أي إيران، يضع نفسه وهو موضوع في هذه المرحلة خارج "الشرعية الدولية"، خارج "أسرة الأمم". وهذا ما لم يكن حال تشيكوسلوفاكيا والإتحاد السوفياتي والمعسكر الإشتراكي عندما أقدمت مصر عبد الناصر على تحولها في الخسمينيات. وعليه، فإن ما يعِدُ نصرالله به ليس فقط يغيّر في موقع لبنان، لكنه ينقله الى خارج الشرعية الدولية أيضاً، الى خارج النظام الدولي.
أما الزاوية الأساسية الثالثة فهي أن "حزب الله" إذ يعِدُ بالتسليح الإيراني، إنما يفترض أن فوزه – وفريقه – في الإنتخابات في 7 حزيران، يبيح له – إذا حصل – أن يفرض تغييراً على مستوى ما يمكن تسميته "القواعد الحامية" للكيان وفي مقدمها أن لا يكون لبنان جزءاً من محور معين أو رأس حربة محور معين. وهذا ما يعني أن "حزب الله" لا يتعاطى مع الإنتخابات بمفهومها الديموقراطي، أي بصفتها إستحقاقاً لـ"تداول السلطة" ديموقراطياً. وذلك ما يشي بأن فريق "حزب الله" سيجعل إنتخابات 7 حزيران آخر الإنتخابات إذا فاز.
والزاوية الأساسية الرابعة، وهي "مُستنتجة" من السابقة، تفيد أن "حزب الله" عندما يكون بهذَين العزم والتصميم على التغيير في موقع لبنان، لا يُخفي أنه في حال عدم الفوز في الإنتخابات، سيمضي قدماً في "مشروع" إستخدام القوة في مسعى دؤوب لفرض موازين سياسية مختلفة. هذا إن لم يحاول الضغط على المسار الإنتخابي في الأيام التي لا تزال تفصل عن 7 حزيران، وفي يوم 7 حزيران نفسه، وما لم يعلن نفسه فائزاً بـ"القوة" مساء 7 حزيران.
طرحٌ فيه تلاعبٌ بالصيغة ومعادلاتها
أما الزاوية الأساسية الخامسة، والتي "تلخّص" كل الزوايا السابقة، والتي تؤشر الى الخطر الأكبر، فهي أن أي تغيير في موقع الكيان – بـ"القوة" أو بقوة الأمر الواقع خاصة – إنما هو تلاعبٌ في الكيان وتغيير فيه وفي معادلاته. ومما لا شك فيه أن نقل لبنان الى موقع آخر، هو الموقع الإيراني في هذه الحالة، ليس أقل من تلاعب بالمعادلات الدقيقة التي ينهض عليها الكيان، وليس أقل من تلاعب بـ"العيش المشترك"، ولا أقل من "غلبة" على الآخرين.. ما يفتح البلد أمام أخطار جسيمة جداً على سلمه الأهلي.
من نافل القول إن ما طرحه السيد نصرالله ليس عفوياً. ومن نافل القول أيضاً إن ما طرحه تأكيد لـ"إتهام" 14 آذار له بأنه يسعى الى إدخال لبنان في المحور الإيراني.. السوري. وبالمناسبة، فإن نصرالله الذي وعد بالتسليح الإيراني، وعد في الوقت نفسه بما سمّاه "ترييح الجو" مع سوريا معلناً أن الحكومة المقبلة – في حال فوز 8 آذار – لن تكون "حكومة مكايدة ونزاع وصراع مع سوريا".. قافزاً – بـ"رشاقة" غير مسبوقة – فوق كل أسباب التأزم في العلاقات اللبنانية – السورية، ومسؤولية النظام السوري في ذلك كله.
الرابط بين نصرالله وأحمدي نجاد
بيدَ أن ما يثير الانتباه – والفضول – هو أن الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" إنما جاء بمثابة "صدى" لتصريحات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد. ذلك أن بين الخطاب والتصريحات رابطاً "يقول" إن فوز 8 آذار في الإنتخابات النيابية اللبنانية سوف "يحقّق" تغييراً في موقع لبنان باتجاه إيران. كما أن ما يثير الإنتباه والفضول – والخوف – هو أن السيّد يبدو غير آبه إنتخابياً، أي غير مبالٍ بإنعكاسات خطابه على البيئات السياسية والطائفية المتعددة في هذه المرحلة الإنتخابية. وذلك ما "قد" يعني أن قول ما قاله يمثّل أولوية "على" الإنتخابات في حد ذاتها، ويعني حرصاً على "تبليغ" رسائل عدة.. داهمة، و"قد" يعني أن المسار الإنتخابي في خطر تِبعاً لذلك.
هذا هو لبنان
على أن الاستعراض السالف للأخطار التي ينطوي عليها "معنى" الخطاب الأخير لنصرالله، إذ يهدف الى تسليط الضوء على ما يبدو لبنان مرشحاً لمواجهته في الفترة المقبلة، إنما يهدف أيضاً الى التشديد على عنوانَين رئيسيَين.
الأول هو أن "حزب الله" قوي، أي أنه يملك من القوة – بما في ذلك بل في المقدمة القوة العسكرية والأمنية – ما يجعله قادراً على تعريض البلد لـ"داهيات". غير أن على قيادة الحزب أن تدرك أن "هذا هو لبنان"، أي أنه لا يُساس بالقوة ولا يُنتزع من تاريخه وخصائصه، ولا يُفرض عليه خيارٌ ينافي صيغته وعيشه المشترك.. وهي الصيغة التي استفاد منها "حزب الله" نفسه في المراحل السابقة.
أما العنوان الثاني، وأخذاً في الإعتبار ما أبداه السيد نصرالله هو نفسه من تمسّك باستمرار الحوار الوطني، وكي يكون الحوار جدياً ومجدياً، فهو أن ما يتضمّنه ميثاق الوفاق الوطني أي اتفاق الطائف من جهة وما تمّت مراكمته من إجماعات وتفاهمات في السنوات الماضية من جهة أخرى، يصلحُ لأن يكون إطاراً للثوابت الوطنية المشتركة التي تحمي الكيان، وسقفاً للتعامل مع المعطيات كافة. الشرطُ الوحيد الآن هو تأمين حصول الاستحقاق الإنتخابي بأمن وأمان ونزاهة وديموقراطية. هو الشرط الوحيد في هذه اللحظة ليس فقط لـ"تمرير" 7 حزيران بل حرصاً على ما بعده.. أي حرصاً على السلم الأهلي الذي فيه مصلحةٌ لكل اللبنانيين.