سقط التسونامي المسيحي بسقوط أوراق التين
في العام 2005، اعطت نتائج الانتخابات النيابية العامة، العماد ميشال عون فرماناً يقول انه الزعيم الاوسع شعبية لدى المسيحيين.
وقد مهر البطريرك الماروني نصرالله صفير هذا الفرمان يومها، بتوقيعه عندما صرّح بأن المسيحيين اختاروا قائدهم وزعيمهم، والكل يذكر أن انتصار العماد عون في تلك الانتخابات كان مفاجأة للجميع وفي طليعتهم عون ذاته، لانه كان مستغرباً أن يخذل المسيحيون القيادات والاحزاب والشخصيات المسيحية، التي شكّلت لقاء قرنة شهوان وقادت معركة استقلال لبنان وسيادته وقراره الحر استناداً الى نداء البطريرك صفير والمطارنة الموارنة الشهير في العام 2000، وقد دار صراع مرير في تلك الحقبة بين البطريرك الماروني ولقاء قرنة شهوان من جهة، وبين النظام الأمني اللبناني ـ السوري من جهة ثانية وهو الذي كان يخطط لتمزيق لقاء قرنة شهوان واضعاف موقف بكركي بتجنيد مسيحيين يتعاونون مع هذا النظام للوقوف في وجهها وفي وجه اللقاء الذي تشمله برعايتها، وما جرى بعد ذلك من احداث أصبح معروفاً من الكل خصوصاً اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقيام ما سمّي بثورة الارز في 14 آذار 2005، واسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي، واجراء انتخابات عامة.
* * *
شعارات عديدة ومنها العماد عون في انتخابات العام 2005، قلبت مزاج الشارع المسيحي واخذته الى حيث يريد العماد، ولكن الشعار الابرز والاكثر فاعلية، والذي أمّن له ان يدير تمثال السيدة العذراء في حريصا وجهه باتجاه عون ومرشحيه، كان الشعار الابدي، الأكثر استثارة للعواطف والغرائز لدى الطوائف في لبنان، وهو شعار «يا غيرة الدين» الذي رفعه العماد عون «ضحية» التحالف الرباعي المسلم الذي قام بين حزب الله وحركة امل الشيعيين، والتقدمي الاشتراكي الدرزي، والمستقبل السنيّ، والذي ضم عفواً ومنطقياً، مسيحيي قرنة شهوان المتحالفين سياسياً وانتخابياً مع الاشتراكي والمستقبل.
صرخة «يا غيرة الدين» التي اطلقها العماد عون كانت أقوى وأكثر تأثيراً من نضالات وتضحيات المسيحيين الذين تحمّلوا لسنوات طويلة عسف الحكم في لبنان وتنكيله بالقيادات والافراد، وجاء فرض قانون الألفين الانتخابي «شحمة عفطيرة» كما يقول المثل الدارج ليزيد في عصبية المسيحيين وسخطهم، ويأخذهم في اكثريتهم الى احضان العماد عون، الذي عرف كيف يستغل هذه الموجة في تركيز ذاته وحاشيته وتيّاره، وعندما شعر انه بامكانه ان يجيّر هذه الشعبية في تحالفات غريبة هي في الاصل والمبدأ بعيدة عن المزاج المسيحي وعن ثوابته، ذهب الى وثيقة تفاهم وتحالف علنية مع حزب الله، بعدما كانت هذه العلاقة السرية، التي حرص العماد عون على اخفائها، قد بدأت تأخذ طريقها الى التكامل اثناء وجود عون في منفاه المرفّه، والتي ترجمت في صناديق الاقتراع في انتخابات العام 2005، على ما كشفه السيد حسن نصرالله في أحد خطاباته مؤخراً ما أمّن للزعيم المسيحي الأكبر ان يفوز في أكثر من دائرة بأصوات محازبي حزب الله، واذا قيّض له ان يفوز هذه الدورة، فاعتماداً أيضاً على هذه الاصوات.
* * *
يمكن القول اذن ان ورقة التين الاولى التي سترت العماد عون طول اربع سنوات، سقطت مؤخراً، بمثل ما سقطت ورقة التين الثانية التي نزعها عنه حليفه الثاني كريم بقرادوني الذي كشف تفاصيل عودة العماد عون الى لبنان بموافقة ومباركة ودعم القيادة السورية وبرضى وتغطية من حزب الله وحركة امل، والرئيس اميل لحود، وبموجب سلّة شروط قبل بها العماد عون ونفذّها بحذافيرها، وما زال، ولذلك فان الذين يتابعون حركة العماد عون وخطابه في هذه الايام يلمسون انه ذهب الى شعارات جديدة واسلوب جديد في الانقضاض على خصومه، فالضحية في انتخابات 2005 تحوّلت الى مدع عام وقاض معاً في انتخابات 2009، فهو يتهم ويحكم في آن، مستخدماً لغة مميزة في اتهاماته واحكامه، تبدأ بشتيمة وتنتهي بشتيمة، بحيث اعاد اللبنانيين في الذاكرة الى محكمة المهداوي في العراق حين كان يعدم خصومه مرتين، مرّة بالشتائم والاتهامات الملفّقة ومرة بحبل المشنقة.
اذا كان المسيحيون في انتخابات 2005 عاقبوا فريقاً معيناً سنداً الى اتهامات ووقائع ثبت بطلانها وعدم صدقيتها، فان عقابهم في هذه الانتخابات، يجب أن يطول من استفاد من هذه الاتهامات وانتزع ثقتهم واظنهم قادرون وفاعلون.