#adsense

على قول بطرس

حجم الخط

على قول بطرس

رفعت طاولة الحوار إلى أجل مسمّى من دون أن يُسمّى. فاللبنانيون، وفي الطليعة رئيس الجمهورية، يعتقدون أنها مجدية كمسكِّن لآلامهم، إنتظاراً لحل ما يعالج معضلة سلاح "حزب الله"، ويجد المعادلة السحرية التي تقنع قيادته بأن المقاومة، في الدول المسلَّم بسلطتها، هي أداة عند الضرورة لمواجهة الاحتلال، تديرها الدولة وتقرر دورها، وليست سلطة تحوّل الدولة ستارة فتستغل شرعيتها وتخضعها لاستراتيجية تخدم طموحات هيمنة داخلية أو إقليمية.

رفعت طاولة الحوار مع دعوة إلى اللبنانيين "للاقتراع بهدوء ومسؤولية ولتقبّل النتائج"، كأنما أهل هذه الطاولة يقرّون بوجود ترابط "استراتيجي" بين موضوع سلاح "حزب الله" وأهمية ما ستفرزه الانتخابات النيابية من نتائج. ولعل المشاركين، أو بعضهم تحديداً، يلتقون مع ما عبر عنه الوزير السابق والتاريخي فؤاد بطرس (في ملحق خاص بالانتخابات أصدرته يومية "لوريان لوجور") بجملة مفادها: "إن الأمور في لبنان لم تبد يوماً أقل ثباتاً مما هي عليه اليوم (…) وسط تحركات لا متناهية لقوى إقليمية ودولية (…) بينما حكم على الدولة أن تبقى مشروعاً موعوداً لا ينأى عن التأجيل".

فحتى الذين اعترضوا على توصيف هذه الانتخابات بأنها مصيرية، أكدوا صفتها هذه محاذرين استخدام الكلمة نفسها، فبعضهم اعتبرها مفصلية، وبعضهم الآخر قال إنها ستقرر صورة لبنان للمرحلة المقبلة، من دون أن ننسى قول الرئيس الإيراني إنها ستغيِّر وجه المنطقة، وما ينطوي عليه ذلك، من مغازٍ ومعانٍ.

لا يمكن الشعارات أن تماري الوقائع: مفهوم الدولة نفسه موضوع تحت المناقشة، والمسلَّح منه تحديداً، مرة يحيّد حملة السلاح أنفسهم عنه، ويتموضعون في موقع المتفرج الشامت بمنطق "اروني كيف ستقيمون دولتكم"، ومرات في موقع القاضم دورها، ومفتت قدرتها وسلطتها.
هذه الحال تضع اللبنانيين أمام أزمة وطنية، وليس أزمة سياسية تقليدية. وهو ما حدده الوزير بطرس، مشيراً إلى ما سمعه من الرئيس فؤاد شهاب: لم ننجح في تكوين أمة، فلنسع على الأقل إلى بناء دولة ومؤسسات".

يزيد من بلاء هذه الأزمة أن التدمير المنظم لفكرة الدولة يطول القيم العامة والمفاهيم الوطنية، ليس في ما خص تهم العمالة والخيانة التي تلصق بالآخر (مع الاستعداد للتعاون معه !؟) ولكن أيضاً عبر استنباط محددات جديدة للحريات والفضائل تناقضها وتنقض دورها وفعلها، ولا سيما في الحياة العامة، السياسي من وجوهها، أولا.

الأبرز في أدوات التدمير المنظم للدولة والمفاهيم العامة المشتركة هو الأسلوب المنهجي الذي يحاصر الطرف الآخر، ويحاول دفعه إلى البدء مما دون الصفر. فإذا اكتشفت شبكات تجسس، وان تكن عششت ونمت تحت جبة السلاح، فإن الفريق الآخر مسؤول بمنطقه السياسي عن إعطائها فرصة الوجود. وإذ تبين أنها انشئت قبل عشرة أعوام وأكثر، أي في عز قبضة نظام الوصاية، فإن الكلام يكون إن من فتح لها الطريق كان حكم "الأكثرية الوهمية"، ويتوج كل ذلك بإدانة "14 آذار" لأنها لم تستنكر كثرة شبكات التجسس الاسرائيلي، تماماً كما لم تستنكر المناورة الاسرائيلية، وكأن الأمر مجرد تسابق على رفع اللافتات، أو أن التسليم الاجماعي في اتفاق الطائف باعتبار اسرائيل عدواً لكل اللبنانيين يحتاج إلى فحص دم يومي عشوائي يقرره حملة السلاح، ويملكون وحدهم تحديد نتائجه.

من هنا فإن الانتخابات يوم الأحد المقبل ليست اختياراً بين مرشحين، بل قرار يفصل بين إرادة إنهاض الدولة والمؤسسات، ومن يسعى إلى جعلها ستارة تعطي شرعية لاستراتيجية الديموقراطية العددية وجمهورية المثالثة وتعميم السلاح.

قد يرى قارئ أن أرجحية السلاح ستعطل كل نتيجة لا تناسب أهله، لكن الواقع يقول إن حرمان السلاح من اكتساب الشرعية الدستورية بالخضوع الشكلي لشرعية الانتخاب من اجل"شرعنة" دوره، يضعف لعبته، ويكشف استمرار خروجه على الشرعية.

والمواطن الذي لم يملك القدرة في 7 أيار على مواجهة السلاح بالسلاح، ولم تكن لديه إرادة ذلك، ولا السلاح، لا يزال يملك القدرة على الاعتراض بالاقتراع للدولة.

"لقد علمنا التاريخ أن ليس من سياق لا يُعكس. فالأمل دائماً موجود، ما دام الفعل صادقاً وذكياً"، كما قال فؤاد بطرس في مقالته.
سياق السلاح يُعكس بقوة الاقتراع ضد منطقه، وبناء الدولة والمؤسسات يستكمل بعزم مريديها، وهم أكثرية غير وهمية.
14 شباط من كل عام يقول ذلك.

المصدر:
النهار

خبر عاجل