فلنبــدأ بوطــن ثــم بدولــة رقــم الجمهوريــة لاحقــاً
فكما ان الديموقراطية، حسب نظرية أرسطو، تحمل بذور تحولها الى ديماغوجية، والاريستوقراطية الى أوليغارشية، والمونارشية الى طغيان، يمكن القول ان التوافقية تحمل بذور تحولها الى انحلال الدولة في حال التمادي في التسوية اللامحدودة".
انطوان مسرة
أمضيت الاسابيع الماضية أقرأ، هذه المرة بتمعّن اكثر في بعض تاريخ الجمهورية الثالثة، وهو طبعاً عنوان يعني بلداً مثل فرنسا ونحو سبعة عقود من تاريخها، في مرحلة كانت الدولة التي ولدت فيها الثورة الاولى، تتألف من مسيحيين او علمانيين، ولم تكن مثل لبنان اليوم، مؤلفة من 20 فئة وثلاثة اعراق على الاقل، واربع لغات اصلية، ايضاً على الاقل.
حاولت البحث بكل صدق وايجابية، عن اوجه الشبه بين فرنسا التي اعطت اسماء دوقياتها لبعض الولايات الاميركية (نيو اورليانز)، واكتشفت كندا، واستعمرتها، وجعلت مندوبيها عمّالاً على النمسا وايطاليا (ومفوّضين سامين على لبنان)، ودولة مثل بلدنا رمزه الاكبر فخر الدين، الذي أُسر في توسكانا، ورمزه الاقدر بشير الشهابي الذي ترفق بعنق فرس ابراهيم باشا وبرسنها، في مداراة الضعيف للقوي.
لقد وضعنا شعراء الزجل، بمحبتهم العارمة وحنانهم العظيم، ما بين درب التبانة وسهيل، نور العرب الأحب. اما في التاريخ والجغرافيا وعصور الدول، فنحن بلد متقدم، صغير متقدم، في عالم ثالث يغلب عليه التخلّف والجهل والفاقة التي هي العبودية الاسوأ، والاستعمار الاكثر قباحة.
بسبب من ميزتنا الاولى التي هي تعددنا وكوننا جزراً مختلفة حول أرخبيل واحد، لم نستطع، ولم نُحسن اقامة الجمهورية، اولى او عاشرة، حتى الآن. وما اقيم من الجمهورية الاولى وتحقق، انما اقيم في ظل الانتداب رغماً عنا: اي الدستور والبرلمان والجيش واعلان الحدود ونظام القضاء وبدايات النظام المالي.
وبعد ذلك أصبحنا نشبه في نظامنا في كل مرة شكلاً ما. مرة ماليزيا، ومرة بلجيكا، ومرة سويسرا، ومرات كثيرة الكونغو. فكيف سوف نقيم الجمهورية الثالثة، اذا لم نستكمل الاولى وندخل في الثانية؟ والذين يعتبرون الطائف جمهورية ثانية، مثل الرئيس حسين الحسيني، ينسون بعفوهم وسماحهم وآدابهم انها أُجهضت منذ وصولها الى بيروت، والدليل اننا سافرنا مرة اخرى الى اصغر عاصمة في العالم العربي واحدثها معرفة بالاستقلال، لكي نطلب تحت عباءتها "الحل الوطني" الجديد.
عندما تطرح الآن "الجمهورية الثالثة" اتذكر الحنية الطيبة في حنجرة زغلول الدامور. لقد بنى بمخيلته النبيلة بلداً يهزم الجيوش، ويدمّر القلاع، ويسبي النجوم في سباتها وفي مضائها. لكن رفعة الزغلول لم تكن تعالياً، واحلامه لم تكن تهديد الآخرين بالكوابيس. ومجد لبنان، في آخر الامر، كان مصالحة وتبويساً ونقرة دف بينه وبين اسعد سعيد. تلك كانت الجمهورية السعيدة، والوطن القمري الخالي من البثور الذي رسمه بأقصى حالات الشعر يونس الابن والرحابنة واجمل حناجر الشرق.
فقط على نقرة الدف كان لبنان مغروراً، باحثاً عن كينونته في الشبه الفرنسي والعالم الامبراطوري. ففي المخيلة الشعبية لم نكن مضحكين او ثقلاء، كما في الغرور الملّح، او اللجوج، كما وصفه غسان تويني. فمن اين لنا بجمهورية ثالثة (أو خلافها) في أمة اشتعلت تصفيقاً للجنرال ميشال عون يوم السبت الماضي وهو يهتف في جمهوره، ما معناه، او ما خلاصته، وبأقصى علو ممكن في الصوت: نريد تحرير المختريات والبلديات نريد مياهاً. نريد كهرباء!
صفّقت الجماهير طويلاً عند كل مطلب. نحن في سنة 2009. فإما اننا في فرنسا وقد مرّ بنا نابوليون الاول والثاني والثالث، واما في اطراف الموزامبيق، لا في عاصمتها، نطلب كهرباء ومياهاً. ولكن ان نكون على اعتاب الجمهورية الثالثة، فأيها الزغلول الحبيب حنانك نقرة دف تنسينا هذه الحمى العمومية التي ندور فيها مثل حلبات المصارعة في سكرة روما وخدرها الذي اسقمها وأعلّها وجعلها تغنّي وهي تحترق، وتصفّق وهي تنهار.
هذه العاصمة التي عاد اليها يوسف سالم مهندساً في المياه (مديرها لاحقاً) من جامعات باريس، قبل 70 عاماً، كانت مساء الاحد الماضي محرومة اي ضوء الا اضواء السيارات المزغردة بالهتافات العظيمة التي تليق بالدول المتقدمة: مياه. كهرباء! وعندما تهبط الدنيا بالبشر، يتحولون جرذاناً، بلا مياه وبلا نور. وينسون الهتاف من اجل الحرية والكرامة الانسانية وقهر البطالة ويرمون جانباً كما فعلت الجمهورية الثالثة، شعار حرية. اخاء. مساواة. لانها تصبح ترفاً مترفاً، في مجتمع لا يستطيع احد ان يشرح له، على مرّ العقود، لماذا هو في سنة 2009 في عاصمة مظلمة، حدثها الاهم عشية الجمهورية الثالثة، الدعوة – المكتوبة – التي وجهها اللواء عصام ابو جمرا الى ابناء الجمهورية، لحضور افتتاح المكتب الدائم لنائب رئيس مجلس الوزراء.
تذكرت يوم كنت في مطار اورلي ورأيت بيار منديس – فرانس. لم يكن معي ما يُوّقع عليه سوى جواز سفري اللبناني الانيق الصفحات مثل ذلك العصر. طلبت منه توقيعه، فابتسم. اولئك كبار فرنسا الذين بدأوا حياتهم في الجمهورية الثالثة، وتجاوزوا الرابعة، ودخلوا بضمائرهم ومآثرهم وألمعيتهم وثقافاتهم الهائلة الجمهورية الخامسة. واذا كان ديغول قد حرر فرنسا من نير استعمارها في الجزائر، فإن منديس – فرانس حررها من نيرها في الهند الصينية حيث هزمها استاذ مدرسة ليسيه يدعى لاحقاً الجنرال غياب، بمجرد ان نقل فنون الحرب عن نابوليون.
كان لا بد من تذمّر بعض رجال الجمهوريات فيما يدخل اللواء ابو جمرا مظفّراً المكتب الدائم لنائب ر ئيس مجلس الوزراء. هوذا يوحنا فم الذهب يعيد الى الارثوذكسية رسالتها ويعتلي منبر النور. هلموا الى بيزنطيا.
لماذا الاصرار على الجمهورية الثالثة مثالاً؟ ماذا يشكو الاقتداء بذهبي القرن العشرين نلسون مانديلا، هذا القديس الذي، من اجل شعبه وبلده، صالح الرجل الابيض، جدد العصور، ثم سلّم رئاسة الدولة في اليوم الاخير من الولاية، وليس بعده بيوم واحد.
لماذا دساتير ونماذج الامبراطوريات المتعجرفة؟ لماذا لا يدعونا زعماؤنا الى التشبه بدولة كانت مثلنا في العالم الثالث كالصين، فيما نحن نغرق في البطالة والقلة؟ لقد حققت الصين مدى 30 عاماً نمواً بمعدّل 9% كل عام. وتضاعف دخل الصيني العادي سبع مرات. وخرج 400 مليون انسان من تحت حزام الفقر. أو زناره، اذا شئت. تجاوز تقدم الصين كل مخيلة. فعام 1987 انتجت 200 مكيّف. وعام 2005 انتجت 48 مليوناً. والآن المدن العشرون الاكثر توسّعاً في العالم كلها في الصين، ومعظمها اهم من لندن وشيكاغو. واذا كان الحجم ضرورياً في المقارنات فأين نحن من دبي؟ نحن في 70 عاماً، بكل ثرواتنا، وهي في عشرين عاماً برمالها.
قد يفيدنا شيء من التواضع في تحسين تبصرنا بأمور الوطن واحواله واحوال الناس. فلا يعود همنا القفز نحو مسميات وهمية، واستحالات افتراضية، بل نسعى، ببساطة شديدة، الى جعل التوافقية اتفاقاً طوعياً لا صراعاً فوقياً. وننشر بين الناس القواعد الممكنة من الالتقاء، وليس منصات الكره والحقد في بلد يسير اهله على 200 الف جثة اوغلت في دمائها جميع الايدي، فلم تعد اي واحدة بريئة من دماء الصديقين، ولا خزانة خالية من الهياكل العظمية، ولا غرفة نوم خالية من الاشباح.
نحن في بلد صغير، جداً صغير. ولا فضل لاحد على آخر بالتنكيل، سواء بالذات او بالآخرين، الا في الحسبة النسبية. جميعنا نعرف اماكن الجرائم وابطالها، وان كنا جميعاً نمشي مهللين في الجنازات ونحولها افراحاً. وجميع السياسيين يقدمون مساوئ خصومهم كأسباب لهم وليس حسناتهم هم، ولا سيرتهم ولا شيئاً واحداً انجزوه في عقود من التخبّط السياسي، والهياج العنفي، والانتقام القبلي.
القفز الى الجمهورية الثالثة ليس قفزة شطب من مرجعيون الى تصوينة التويني. فلنتواضع قليلاً. فلنبن أولاً، وطناً خالياً من الصراخ والشتائم. ونرفع الناس من حال الواوية والسقايات الى مستوى البشر. وبعدها نشرع في بناء دولة ما، اي دولة. ومن ثم لا يعود الترتيب مهماً. ثانية ثالثة. الى آخرها.
توضيح
قرأ "تلفزيون الأورانج" الاسبوع الماضي مقالاً نشر في هذا المكان قبل عام، فأخرجه كلياً من سياقه، وقلب معانيه، وجعل دفاعي عن بعض من اقدّر، شتيمة وسباً.
حاولت في ذلك المقال ما فعله كتّاب كثيرون عبر العصور أي التورية، فإذا بالذين لم يفهموه او تقصدوا سوء الفهم وسوء النية وسوء الكلام، يضمونني لمرة يتيمة الى برامج "اورانج تي في" الذي لا أُدعى اليه ولا اتلقى اتصالاً ولو بالخطأ من موظفيه.
شهد التلفزيون المذكور بالزور، وحاول ان يجعلني شاهد زور ايضاً. وكل من يعرفني يعرف ان الاسلوب لا يمكن ان يكون اسلوبي. فأنا لم اتجن مرة على عدو فكيف على اصدقاء احترم وأقدّر. واتمنى على "اورانج تي في" حظراً تاماً عليّ ودون اي استثناءات. خصوصاً المزور منها.