عن هجومية مقامرة
قد يبدو لعتاة الخبراء الانتخابيين ودهاقنة السياسة ان اي كلام على معايير نخبوية في الانتخابات هو من ضروب الرومانسية والسذاجة، والامر يصح الى حد بعيد خصوصا مع التجربة الانتخابية الراهنة. ذلك ان العودة الى قضاء 1960 بتصغير الدائرة الانتخابية افضت الى ظاهرة نافرة هي "شخصنة" التنافس واسقاط المحظورات الادبية المتعارف عليها عادة في حصر المواجهات بالبعد السياسي والحزبي والمناطقي وحده. كما ان ثمة سببا آخر اذكى هذه الشخصنة، هو حصر المعركة فعليا بالافرقاء المسيحيين المتنافسين من معسكري 14 آذار و8 آذار والمستقلين، الامر الذي استولد حدة لاهبة غير مسبوقة منذ حقبات الحرب في الخطاب الانتخابي.
هذه الظاهرة يستسيغها الخبراء باعتبار انها تشكل حافزا قويا لاستنفار القواعد الناخبة وتكثيف نسبة الاقتراع في يوم الانتخاب تحت وطأة التحشيد وشد العصبية بما يوفر مكانة ارفع للتمثيل النيابي وشرعية اكبر لاي غالبية واقلية مقبلتين. ومع ان هذا المعيار يكتسب صدقية كبيرة من الناحية الديموقراطية الصرفة المعزولة عن اي اعتبار آخر، فانه في ظروف المعركة الراهنة ينذر بتفجير كل مكاسبه الديموقراطية المبدئية واطاحتها وتقويضها امام المحاذير الشديدة الخطورة التي يثيرها في البعد المسيحي الخالص.
فعلى الجانب غير المسيحي من المعركة، وبكل تلاوينه المذهبية وتناقضاته، تدور المواجهة على تسجيل النقاط وتحقيق الرقم الساحر للفارق النهائي، بما يعكس ضمنا اعترافا بالآخر وان في معركة المقعد او المقعدين او الثلاثة. ولكنها في الجانب المسيحي تدور على الضربة القاضية على استحالة تحقيق ضربات قاضية في بيئة كتلك التي يتركب منها المجتمع اللبناني عموما. ولذلك تبقى معايير المعركة السياسية ارفع منسوبا بكثير على الضفة الاسلامية عموما منها على الضفة المسيحية حيث يتصاعد النزق العنفي "الشخصاني" بحدة لا مثيل لها.
ويكفي عرض يومي مبسط لوقائع الحملات الانتخابية ليبرز هذا الفارق والاختلاف بين ضفة وضفة على المشهد الانتخابي.
فبعض الانماط الهجومية المعتمدة في الحملة على نايلة تويني حصرا يبلغ حد الهلوسة السخيفة ظاهرا في استهداف الخصم والمنافس، لكنه في باطنه ينم عن سليقة تسلطية خطرة لاختزال المنافس المخالف ومحو رمزيته من الخريطة السياسية لاحلال آحادية مطلقة في السلطة والمجلس والدولة وحتى المجتمع السياسي. هذا النمط في شخصنة المواجهة مع المنافس الانتخابي يسقط اصحابه في محظورين: محظور الانكشاف على ازدواجية بين دعاية موغلة في التضخيم تصور الفوز "ملك القبضة" وشعور ضمني بان المنافسين هم اقسى حضورا من ان يفت عضدهم هذا النمط من الدعاية. ومحظور تحطيم كل الجسور وقطع كل المسارب مع "الآخر" في البيئة المسيحية نفسها عبر استنهاض العدوانية الى ذرواتها، في حين ان سائر الآخرين في الساحات الاخرى يحاذرون هذا الخطأ في الحسابات والسياسات تحسبا لكل الاحتمالات والمفاجآت التي قد يحملها 7 حزيران.
بذلك يغدو التوغل في الشخصنة العدوانية ضد المنافس ضربا من ضرورب المقامرة الفعلية التي لا تحتملها "الساحة المسيحية" اساسا فكيف بالظروف الراهنة.
فحتى لو جفت كل الساحات الاخرى من التعددية الفعلية، فلا دور مسيحيا استثنائيا في لبنان ان لم يجسد هذه التعددية، ولا يفهم مراقب كيف تكون الغرغرة بشعارات التعددية فيما انماط الهجمات على المنافس تشي بالتسلط والاختزال والهيمنة الآحادية، الى حدود يحار معها الناس هل هم امام انتخابات ام امام اي مسمى آخر تظلم معه الديموقراطية ان الصقت به.
