#adsense

التهويل ما التهويل؟ إنّه ضرورة موضوعيّة!

حجم الخط

الانتخابات مصيرية لأنها تُخاض ضد حركة شموليّة مسلّحة مناهضة في الأساس للفكرة الدستورية
التهويل ما التهويل؟ إنّه ضرورة موضوعيّة!

أطرف ما يوجّه لحملة 14 آذار الانتخابية من نقد الادّعاء أنّها تغالي في استخدام "التهويل" كشماعة تبرّر بها كلّ الأمور.. سواء عنى ذلك التهويل من الخطر الذي يمثله سلاح "حزب الله" أو الخطر الذي يمثله "حزب الله" نفسه أو بشكل أدق ارتباطه بالوليّ الفقيه الإيرانيّ، وقبل كل شيء الخطر الذي يمثّله انتصار حزب يحمل هذه الصفات في الانتخابات التشريعيّة.

لكن، وإذا ما سلّمنا جدلاً بأن حملة 14 آذار تستخدم سلاح "التهويل" من خطورة ما يقتنيه "حزب الله" من سلاح، فإنّ الآخر الذي يمثّله "حزب الله" ما فتئ يهوّل بما في مستطاع "سلاحه"، لا بل إنّ حلفاء "حزب الله" الأساسيين منهم والثانويين، يهوّلون صبحاً ومساء بما في مستطاع هذا السلاح.

وإن كان ثمّة بعد "تهويليّ" في حملة 14 آذار الانتخابيّة، فما القول في حملة 8 آذار عموماً، و"حزب الله" خصوصاً، وهي التي تصوّر أي أكثرية معقودة اللواء للاستقلاليين والمستقلّين في المجلس الجديد على أنّها خدمة للمشروع الإسرائيليّ، في حين يصوّر وصول مسعود الأشقر وإميل رحمة إلى الندوة البرلمانية على أنّه انتصار لحركات المقاومة والممانعة.. وبداية النهاية بالنسبة إلى دولة إسرائيل.

لكن، مهلاً، هل ثمّة بالفعل بعد "تهويليّ" في حملة 14 آذار الانتخابيّة؟ في الحقيقة أنّ من يعيب على الحركة الاستقلالية الميل "التهويليّ" العام يشبه تماماً من كان يعيب على الاشتراكية الديموقراطية الألمانية عام 1933 "تهويلها" من خطر صعود النازية. التاريخ يعلّمنا كيف أن الشيوعيين الألمان وزعيمهم إرنست تايلمان حملوا على الاشتراكية الديموقراطية بدعوى أنّها كانت تغالي من خطر النازيّة، بل وصل الأمر بالشيوعيين إلى حدّ وصف الاشتراكية الديموقراطية بأنّها اشتراكية فاشية، وراحوا يساوونها بالنازية، ثم قلّلوا من أمر الأخيرة، حتى إذا وصل أدولف هتلر إلى سدّة المستشارية طمأنوا نفسهم بالقول إنّه "بعد هتلر يأتي تايلمان".. وبعد أسابيع قليلة كان تايلمان وراء القضبان.
فهل يعتبر أولئك الذين ينتقدون حملة 14 آذار بدعوى أنّها "تهويلية"؟

ومن لا يريد أن يقارن بين حال العماد ميشال عون وحال إرنست تايلمان، يمكنه التعريج على النموذج الإيرانيّ في "الثورة". هناك أيضاً، لم يصغ اليساريّون والعلمانيّون بأكثريّتهم لكل الكتابات الرصينة التي كانت تحذّرهم من مغبّة ثورة تمسخ الدين وتحوّله إلى أيديولوجيا، وتسقط على التشيّع بعضاً من نظريّة "الحاكمية" لسيّد قطب لكن هذه المرّة من خلال استدعاء مقولة "ولاية الفقيه".. لم يصغ هؤلاء اليساريّون والعلمانيّون، فما كانت النتيجة، ماذا حلّ بـ"حزب تودة الإيرانيّ"؟ هؤلاء الذين يتكلّمون عن "التهويل" ليتذكّروا قليلاً ماذا حلّ بنور الدين كيانوري قائد الشيوعيين الإيرانيين؟
فإذا قيل بعد ذلك إنّ الوضع في لبنان 2009 ليس مشابهاً لألمانيا الثلاثينيات ولا لإيران الثمانينيات، فهذا صحيح ليس لأنّ الخطر المتربّص بلبنان اليوم ليس من طبيعة شموليّة، بل لأنّ البلدان الصغيرة والمركبة طائفياً ودينياً، عادة ما تفرز مضادات حيويّة لا يمكن توقّع مثلها في البلدان الأكبر التي يمكن أن تنخدع بـ"سكرة الجماهير".

مع ذلك فإنّ ما يعرف بـ"التهويل" هو أكثر التعبيرات موضوعيّة عن حقيقة ما يواجهه لبنان عام 2009.. إنّه يواجه حركة مناوئة ليس فقط للدستور الحالي بل لفكرة الدستور من أصلها كونها تدين بمرجعية غير دستورية وخارج حدود البلاد وتلتزم بتكليفاتها حرباً أو سلماً كما توكل إليها الأمر في بت العقود أو فسخها.. وهي حركة مناوئة بشكل أخص للنظام البرلمانيّ القائم على الفصل بين السلطات.. ثم أنّها حركة متشكلة أساساً من فرق عسكرية وشبه عسكرية، وتطبّق تماماً فكرة "الزعيم" الأوحد.. وهي كحركة تقسّم المجتمع الذي تعيش فيه بين وطنيين في 8 آذار وعملاء في 14 آذار.. هكذا حركة لا يدرجها التصنيف العلمي للحركات السياسيّة والأيديولوجية إلا في خانة واضحة.. خانة الحركات الشموليّة. والشموليّة لا تقارع بالتقليل من شأنها.. على العكس تماماً.. ينبغي دائماً "التهويل" ثم "التهويل" من خطورتها.. والتهويل وحده هو الذي يمكن أن يخفّف من النزعة الشمولية لحركة من الحركات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل