من قمة الهرم حتى أصغر وزير!
يقول دعاة الاحتكام الى "السلاح" الديموقراطي الحضاري، ان الانتخابات النيابية في السابع من حزيران الجاري، ستكون محطة مفصلية وتاريخية في حياة اللبنانيين، وانها ستحدد مصير لبنان، فإما جمهورية عربية الانتماء والهوية. وإما دولة فارسية، تكون رأس حربة في المشروع الايراني وطموحه اللامحدود في العودة الى نظام الخلافة الاسلامية البائد. بينما يدعي دعاة الاحتكام الى السلاح الناري المتخلف، ان هذه الانتخابات ستكون محطة عادية كغيرها من المحطات السابقة، التي اعتاد اللبنانيون – وبخاصة أبناء العاصمة – على تجاوزها وقضاء هذا اليوم الانتخابي باللامبالاة واللهو في الجبال او على رمال الشواطئ وضفاف الأنهار.
ومن دون الخوض في صحة الرأي الاول، او خطأ الرأي الثاني، هناك رأي ثالث يقول (وله كل الحق فيما يقول): إن المحطة التاريخية والمفصلية في حياة اللبنانيين قد مضت وتخطاها الزمن، وأنها كانت في اليوم السابع من أيار عام 2008. وانه منذ ذلك التاريخ، عرف كل مواطن صلاته وتسبيحه. وأدرك كل ناخب طريقه الى صندوقة الاقتراع، وباتت محاولات التنصل والتهرّب من ادران "اليوم المجيد"، ومحاولات تبريره بشتى الادعاءات والمزاعم الالتفافية، غير ذات قيمة او جدوى في زحزحة الناخب المتشبث في موقفه العنيد من استخدام السلاح، والتجني على الناس لاهداف سياسية، اذ حسم امره ورسم خط سيره على طريق الديموقراطية الحضارية المرصوفة بحرية الكلمة والرأي. وليس على طريق الديكتاتورية المزروعة بدعاة التخلف، وفرض الآراء والعقائد التاريخية البالية على المواطنين بقوة السلاح والقهر.
ومن دون ادنى تشويه للحقيقة، سنروي تلك الامثولة "الطازجة" التي حدثت في الأمس القريب، والتي تظهر مدى التعنّت في فرض الآراء والعقائد الأصولية من خلال التهديد والوعيد. وكان ضحيتها احد اصحاب المحلات في قرية مسيحية في قضاء عاليه. وهي قرية صغيرة متاخمة لقرية يتباهى أهلها برفع الاعلام الحزبية الصفراء والخضراء، الى جانب بعض الصور لشخصيات دينية ايرانية ولبنانية.
من عادتي القديمة ان اقضي وزوجتي يوم العطلة الاسبوعية في الهواء الطلق، في خراج قرية من القرى اللبنانية الجبلية، بعيداً عن ضوضاء المدينة، وصخب الصحون والملاعق في الفنادق والمطاعم. وحين كانت زوجتي الشيعية تأبى تناول اللحوم المذبوحة على غير الطريقة الاسلامية، فقد عرّجت على ملحمة "حلال" في تلك القرية، فابتعت حاجتي من اللحم، ثم تابعت سيري صعوداً الى القرية المسيحية المتاخمة، لشراء باقي لوازم الغداء، ومن بينها زجاجتي بيرة، ثم الانتقال الى خراجها بحثا عن مكان ظليل.
دخلت احد المحلات الصغيرة وتوجهت مباشرة الى ثلاجة المشروبات الغازية والروحية. فتناولت منها زجاجة مرطبات، اضافة الى زجاجتي بيرة. ثم انتقلت الى صندوق المحاسبة لدفع ثمن ما ابتعته.
لاحظ صاحب المتجر، انني لست من ابناء المنطقة. وربما أخطأت في اختيار نوع البيرة الذي اريده، فبادرني بالسؤال: هل قرأت ما هو مدوّن على ظاهر الزجاجة؟ فأجبته بالنفي. فقال: إقرأ – لو سمحت – ما هو مدون عليها لتتأكد من النوع الذي اخترته. فقرأت واعدت القراءة، فاذا عليها عبارة خالية من الكحول، عندها عدت الى ثلاجة المشروبات ووضعت البيرة "الشرعية" في مكانها، ورحت أبحث عن بغيتي في براد آخر، حين ناداني صاحب المتجر قائلاً: "لا تحاول البحث، فليس عندي ما تطلبه. وبامكانك التوجه الى عاليه للحصول على ما تريد!".
انتصبت لدي غريزة الحشرية، وبخاصة حين توقعت ما عساه ان يكون السبب وراء خلو هذا المتجر المسيحي من المشروبات الروحية، فسألت صاحبه وانا على يقين مسبق بمضمون اجابته: ما الذي منعك من الاتجار بالمشروبات الروحية داخل دكانك؟. فتردد في الاجابة، ثم قال هامساً، بينما الرعب والجزع يقفزان من ناظريه: "طلعوا الجماعة من "تحت" وهدّدوني بتكسير المحل اذا شي مرة لقيوا عندي خمور"!
لن نعلق على هذه الامثولة القهرية التي وقفنا عليها يوم الاحد الفائت، داخل قرية مسيحية صغيرة، قريبة من مدينة عاليه السياحية. ولكن نكتفي بوضعها امام المسؤولين في الدولة، من قمة الهرم حتى اصغر وزير، وأمام كل الناخبين اللبنانيين – وبخاصة المسيحيين – قبل توجههم الى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم الى الندوة النيابية. مع الأخذ في الاعتبار ان بلدهم مهدد بمصيره وديمومته على أيدي اصحاب المشاريع المشبوهة.