مسيحيّو 8 آذار راكموا عوامل تراجعهم وعزّزوها بـ"تصادمهم" مع الرئاسة والكنيسة.. وحليفهم "حزب الله" كشفهم
تحوّل "الأرض" مسيحياً يسبق الانتخابات
مع إقتراب "ساعة الحقيقة" بعد غد الأحد، وجد فريق 8 آذار نفسه أمام "لحظة" الحسابات الفعلية في ما يتعلق بالإنتخابات النيابية ونتائجها. وأهم ما في هذه الحسابات الفعلية أن الجناح المسيحي لـ8 آذار، و"التيار" تحديداً الذي كان نقطة قوة 8 آذار خلال السنوات الماضية هو "الآن" نقطة ضعفه.
وضوح "حزب الله" يكشف الحليف المسيحي
عوامل عدة تضافرت لتجعل من الجنرال "الرجل المريض" في تحالف ما يسمى "المعارضة".
العامل الأول هو بلا شك تراكم تراجعات الجنرال و"التيار" خلال السنوات الثلاث المنصرمة. ذلك أن التراجع في البيئة المسيحية لم يحصل دفعة واحدة أو مرة واحدة، بل سلك مساراً تراكمياً تظهر نتائجه الآن على نحوٍ مدوٍّ.
وإذا كان العامل الأول يعني أن سياسات هذا الفريق المسيحي لم تظهر نتائجها إلا بعد سنوات من إعتمادها، حيث إستطاع هذا الفريق خلال تلك السنوات "التورية" على المشروع الذي ينخرط عملياً فيه، فإن العامل الثاني هو أن "حزب الله" المستفيد من الغطاء المسيحي الذي وفّره "التيار"، وقد إضطر في الشهور الماضية الى تقديم مشروعه بأعلى نسبة ممكنة من الوضوح، إنما كشف حليفه مسيحياً. وهكذا، وبدلاً من أن تدعم خُطب السيد حسن نصرالله الحليف العوني، أضعفته فعلاً.
الحملة على الرئيس
وثمة عاملٌ ثالث شديدُ الأهمية يتعلق بالحملة على رئيس الجمهورية. وإذا لم تكن العودة الى محطات تلك الحملة ضرورية، ومع أنها تمّت بعناوين شتى ومن مداخل عدة خلال الفترة المنصرمة، ومع أنها كانت مواربة حيناً ومباشرة حيناً آخر، فإن ما لا شك فيه هو أن هذه الحملة "فتحت العيون" على استهداف لا يخفى للرئاسة والرئيس على حد سواء.
في هذا الإطار، ثمة ما لا بد من التنبيه إليه. ففي مقابلته التلفزيونية الأخيرة قبل أيام قليلة، لم يكتفِ الوزير السابق سليمان فرنجية بإبداء "عدائية" ملحوظة تجاه رئيس الجمهورية في ما يتعلق بالمرحلة المقبلة التي تلي 7 حزيران حيث رفض بشكل قاطع أن يكون للرئيس دورٌ في الحكومة ما بعد الإنتخابات، لكنه ـ أي رئيس "المردة" ـ قدّم روايةً لفصول من "الأزمة" خلال العام 2008، تسلّط الضوء على جوانب خطيرة.
سليمان فرنجية وروايته لـ7 أيار
ففيما كان السيد نصرالله يجهد نفسه في الآونة الأخيرة لـ"تبرير" أحداث 7 أيار 2008 بذريعة أن 7 أيار كان ردّ فعل على قرارات مجلس الوزراء في 5 أيار المتعلقة بشبكة إتصالات "حزب الله"، إذا بالوزير السابق فرنجية يكشفُ سياقاً آخر لـ7 أيار. فهو قال ما مفاده إنه بعد حصول الفراغ الرئاسي، وإذ أعقب هذا الفراغ إنفتاحٌ فرنسي على سوريا كما قال، أبلغ الرئيس السوري بشار الأسد حلفاءه في لبنان ـ وفرنجية في مقدمهم ـ أن التواصل الفرنسي ـ السوري أسفر عن تفاهم "على" العماد ميشال سليمان، وأن سليمان على استعداد لتلبية مطالب "المعارضة". وأضاف الوزير السابق أنه بناءً على ذلك ذهب والمسؤول السياسي في "التيار" جبران باسيل للقاء العماد سليمان لكنهما فوجئا بأن قائد الجيش ـ آنذاك ـ رفض إعطاء "المعارضة" ما يسمى "الثلث الضامن". فما كان من سليمان فرنجية إلا أن ذهب الى دمشق وقابل الأسد وقال له إن العماد سليمان "مش ماشي". وشرح ما حصل ليقول إن ذلك ما أدى الى 7 أيار. أي، فيما ينفي نصرالله أن يكون 7 أيار إنقلاباً، يؤكد سليمان فرنجية العكس! والأهم، في السياق الحالي، أن الحملة على الرئيس ميشال سليمان ليست فقط بمفاعيل مستقبلية، لكنها بـ"مفعول رجعي" أيضاً.
تنامي "تناقض" 8 آذار مع بكركي
تقاطعت العوامل الثلاثة السالفة الذكر: تراكم التراجع مسيحياً بفعل السياسات المعتمدة من "التيار" ورئيسه، كشف "حزب الله" لحليفه المسيحي في بيئته، والحملة على الرئاسة والرئيس بلسان سليمان فرنجية أكثر من غيره، مع عامل رابع شديد الأهمية أيضاً. وهذا العامل الرابع هو تنامي "التناقض" بين الجناح المسيحي لـ8 آذار من ناحية والكنيسة المارونية من ناحية ثانية، طيلة المرحلة السابقة. وحقيقة الأمر هنا أن الحملات الدورية المبرمجة التي تعرّض لها البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير من جانب هذا الجناح، لم تكن سوى ستار لابتعاد مسيحيي 8 آذار عن ثوابت الكنيسة وآخرها ما جرى تضمينه في "الشرعة" المستقاة هي نفسها من مقررات المجمع الماروني في العام 2006.
"تحوّل الأرض"
إن ما ترمي كل المقدمات الآنفة إليه هو تظهير العوامل "الذاتية" ـ أي العوامل من داخل فريق 8 آذار نفسه ـ التي أدّت الى ظرف "موضوعي" مختلف.
في هذا الظرف "الموضوعي" المختلف أن تحولاً إستثنائياً ـ إستراتيجياً ـ يحصل في البيئة المسيحية عشية الإنتخابات، بل يمكن القول إن ثمة تحولاً لـ"الأرض" المسيحية بشكل جذري. وفي هذا الظرف "الموضوعي" المختلف نفسه أن "ثالوث" الرئيس ـ الكنيسة ـ 14 آذار غدا في "موقع" واحد.. موضوعياً.
.. والخيارات المقفلة
وضع فريقُ 8 آذار "رجله المريض" في "غرفة العناية المركّزة". تدارس أركان من هذا الفريق، في إجتماع عقدوه في الساعات الماضية، سُبل "المعالجة". لم يتوصّلوا الى خيارات، بل إكتشفوا أن "تحوّل الأرض" محتوم، ونتائجه "حاسمة". إكتفوا بأن أوفدوا "أحدهم" الى العاصمة المجاورة ـ ما غيرها ـ لكنهم لم يوفّقوا بـ"الترياق".
في الأيام المتبقيّة، يشنّ فريق 8 آذار "حملةً نفسية" لكنها لا تُخفي اليقين بالنتائج. بعض هذا الفريق فكّر بالتزوير.. وبعضه الآخر يفكر بـ"الصخب". لكن ثمة سبيلاً واحداً: سلامة العملية الإنتخابية وتقبّل نتائجها.