هل انسحب نوفل بطلب من رئيس الجمهورية لمصلحة «الوسطي» فارس سعيد؟
سليمان يغامر بموقعه التوافقي … في عمشيت!
كتب المحرر السياسي:
استمع العالم العربي كله من المحيط الى الخليج، أمس، إلى خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الموجه الى العالم الاسلامي، من على منبر جامعة القاهرة. انتهى الخطاب وبدأت القراءات على مستوى القادة والقوى الفاعلة في الساحتين العربية والاسلامية.. والأكيد أن القراءات جاءت متنوعة لمضمون الخطاب الرئاسي الأميركي الأول من نوعه.
الا ان الجمهورية في لبنان في مكان آخر. رئيس المجلس النيابي نبيه بري مرابط في المصيلح وعقله في جزين انتخابيا، بعدما اطمأن الى فوز كل مرشحيه الآخرين.. بانتظار نتائج ناصر نصر الله في البقاع الغربي.
رئيس الحكومة فؤاد السنيورة يلبس الدور الذي لم يعتد عليه بعد، ولا يقبله حتى أقرب المقربين اليه. ها هو ينزل من علياء الدولة و«خط الدفاع الأمامي» في السرايا الكبيرة الى حارات صيدا القديمة. يتناول الفول بالملعقة البلاستيكية ويحاول أن ينافس اسامة سعد شعبيا. ثياب «سبور» وخطاب بالعامية وحكي بلدي وباللهجة الصيداوية.. والهدف هو انتزاع مقعد من المعارضة «انتقاما من 7 أيار الصيداوي»!
تستريح السلطتان التشريعية والتنفيذية من مهامهما مبكرا، لينتقل صمام أمان الجمهورية الى رئيسها العماد ميشال سليمان، بصفته الرئيس التوافقي الذي انتخب بإجماع عربي ودولي من قبل أن ينتخبه نواب أمته… بعد انتظار دام سبعة أشهر في وزارة الدفاع في اليرزة، فكان السابع من أيار وكان التتويج في الخامس والعشرين منه.
يرسم اللبنانيون من كل الاتجاهات صورة زاهية لرئيسهم التوافقي الآتي من المؤسسة العسكرية، تعبيرا عن إفلاس كل المؤسسات السياسية الأخرى، العاجزة منذ العام 1998 عن انتخاب رئيس للدولة من صلب بطانتها… وربما هو مؤشر لما ستكون عليه صورة الانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2014… إذا استمرت السياسة الفعلية في إجازة وظل واقع التأزم مقيما.
تتحلق أطياف لبنان حول رئيس الجمهورية. ترى فيه الاستقرار والتوازن والحكمة والتوافق… يدخل عليه أحد الصحافيين بعد ثلاثة اشهر من انتخابه. يرى مطرقة زجاجية موضوعة بأناقة ظاهرة قبالة مكتبه الرئاسي، يسأله عنها فيجيب ضاحكا «هذه المطرقة اذا ضربتها بقوة تنكسر.. لذلك مهمتها النقر بهدوء حتى يسمع الحاضرون صوتها». باختصار، هذه المطرقة تعبّر عن الموقع التوافقي لرئيس الجمهورية، «وهو موقع حساس ودقيق، خاصة في ظل حالة الانقسام السياسي في البلد».
يخرج الزائر للقصر الجمهوري مطمئنا الى أن الرئيس يدرك حساسية ومحورية موقعه التوافقي، وما يعلقه اللبنانيون من آمال عليه، خاصة لجهة حرصه على لعب دور الحكم وتفاديه كل ما يمكن أن يجعله طرفا أو خصما لأحد.
كل هذه الصفات لم تحل دون الشعور المضمر بعقدة ميشال عون، الزعيم السياسي المسيحي الأول، العسكري، ابن المؤسسة نفسها التي أتت بالرئيس الى بعبدا. وما أن تغادر بعبدا حتى يتملكك الشعور بأن طيف عون، ما زال في القصر الجمهوري منذ أن احتله وحوله الى «بيت للشعب» في نهاية الثمانينيات. يزيد الطين بلّة، فقدان الكيمياء بين الرجلين ووفرة المغرضين وقلة المصلحين. تتعرض العلاقة بينهما دائما الى اختبارات.. ويمر قطوع يليه قطوع، بما في ذلك مع حلفاء «الجنرال» الذين بالغوا أحيانا في الحماسة لحليفهم على حساب من كان لهم نصيرا صادقا يوم كان على رأس المؤســسة العسكرية.
جاءت الانتخابات، وتسللت الى القصر الجمهوري، عبر الغيارى «أصحاب الفضل»، و«المستشارين البلديين»، فكرة «الكتلة الوسطية» ومعها منظومة من المفاهيم والأطروحات، التي تجعل الرئيس «يفرض التوازنات ولا يكتفي فقط بإدارتها».. «يمتلك الثلث المعطل، بما يؤدي الى منع وصول الأكثرية اللاغية مقابل إلغاء الثلث المعطل للمعارضة» الخ…
فجأة أنصت الرجل، للهمس وتوجه بنظره نحو عمشيت، متحمسا لمرشحين على حساب مرشحين آخرين في مسقط رأسه ومعقله الانتخابي كما ظهرت صورته منذ أسابيع حتى اليوم.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يشهر فيها الرئيس سليمان وجهه الانتخابي. ففي المتن الشمالي، كانت مبادرته الأولى، تجاه ميشال المر، وفي كسروان كان منصور غانم البون فارس انتخاباته في المعقل الماروني الأول.
عودة الى جبيل، حيث شهد أمس، فصلا من الفصول التي يمكن القول إنها قد تشكل محطة بارزة في علاقة رئيس الجمهورية، بكل موقعه التوافقي، ذلك أنه قرر أن يغامر بمحاولة ربح مقعد إضافي في دائرة جبيل… ولو أدى ذلك الى خسارته لدوره التوافقي.
قد يصر رئيس الجمهورية على القول أن لا علاقة له، لا من قريب ولا من بعيد، بكل ما يحصل في جبيل أو غيرها من الدوائــر الانتخــابية، ولكن الوقائــع، وهــي أكثر من أن تحصى وتعد، من القــريب والبعيد، تقول العكس، وخاصة ما جرى في الأيام والســاعات الأخيرة.
قالها رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع على الملأ، خلال مقابلته الأخيرة مع الزميل مارسيل غانم، بأنه وعلى هامش جلسة مؤتمر الحوار الأخيرة، طلب من رئيس الجمهورية أن يسحب المرشح عن المقعد الماروني اميل نوفل في دائرة جبيل لمصلحة فارس سعيد وحليفه المقبل غير المعلن ناظم الخوري، على أن يصار لاحقا الى سحب المرشح عن المقعد الشيعي محمود عواد لمصلحة مصطفى الحسيني.
في اليوم التالي، قال اميل نوفل لأحد سائليه «يا أخي على راس السطح وبالفم الملآن أنا لن أنسحب من المعركة الا بطلب من فخامة رئيس الجمهورية».
يتوجه الموكب ككل عشية انتخابية من بعبدا الى عمشيت، حيث الاجتماعات الانتخابية الماراتونية لا تهدأ. أحدهم قال «لا بد من كسر ميشال عون ولو بمقعد ماروني واحد في جبيل… ولا بأس إذا أسقطنا مرشحه الشيعي عباس هاشم». دام أحد الاجتماعات أكثر من أربع ساعات بعيدا عن الأضواء مع سمير جعجع. في اجتماع جبيلي آخر، تولى فارس سعيد الاقتراح وناظم الخوري الرد. رئيس «الاتحاد» ينقل الجو وأحد «اصحاب الملفات في الجمارك» يواكبه لحظة بلحظة… عندما حشر اميل نوفل في الزاوية على يد من قاموا بتوريطه في قرار الترشيح بالأصل، خاطبهم قائلا: «لقد كلفتني الحملة الانتخابية حتى الآن ثلاثة ملايين دولار أميركي. لن أطالبكم بما دفعته من حسابي الشخصي، لكن عليكم أن تردوا لي ما قمت باستدانته».
وصل أحد الوزراء الخليجيين الى بيروت فجأة. سرعان ما توفر المال وتحركت المعطيات الانتخابية في جبيل وفي دائرة قريبة منها. أعلن اميل نوفل انسحابه ولحق به محمود عواد وأصبحت لائحة «الوسطية» في جبيل تضم ناظم خوري وفارس سعيد بوصفه يمثل «أحد أبرز حمائم 14 آذار» و«الشخصية الأكثر تفهما للصيغة اللبنانية» وربما «الأشد حرصا على التعايش بين الشيعة والمسيحيين في بلاد جبيل» و«الأكثر انفتاحا على موقع لبنان العربي وخاصة العلاقات مع سوريا»!
في هذا السياق، لا بد من «أسئلة الحرص»: هل بهذه الطريقة، تدار الجمهورية، أم باعتماد استراتيجية عدم الرد سواء على سمير جعجع أو على كل ما يرمى من «أقاويل وشائعات» وكأن إقفال ستائر البيوت في الليل والنهار واحتساب الأصوات على الآلة الحاسبة لا بصوت عال، كفيل بأن يحمي موقع رئاسة الجمهورية وحيادها وترفعها عن الصغائر!
هل يكون المعبر الإلزامي لهزيمة ميشال عون، في جبيل، هو بالتنسيق وبالتفاصيل المملة مع سمير جعجع، وألا يمكن أن يرتد ذلك سلبا على صورة الرئيس التوافقي؟
العصب العوني، لم يكن مشدودا، كما هو، أمس واليوم وغدا، بفضل «النموذج» الذي يتم تقديمه في جبيل. إذ كيف يعقل أن يكون غلاة التطرف في لبنان هم عنوان رئاسة الجمهورية، وهل هناك شك بأن الوقائع التي ستفرزها الصناديق الانتخابية يوم الأحد المقبل، ستتحول الى مناسبة لتصفية الحساب الانتخابي والسياسي مع من كانوا مستهدفين؟
هل بهذه الطريقة تدار الجمهورية، وهل بهذه الادارة السياسية تحمي رئاسة الجمهورية موقعها التوافقي، الذي يريده اللبنانيون، ضمانة لهم في عز الانقسام السياسي الكبير.
هل من الجائز أن يتحول موقع رئاسة الجمهورية الى مطية لسمير جعجع، حتى يتجرأ على تحديد المطالب عبر الشاشات الاعلامية، ثم يكون له ما يريد… فقط من أجل كسر شوكة ميشال عون؟
لن يكون مضمونا أن يربح منصور غانم البون مقعدا في كسروان ولا ناظم الخوري في جبيل ولا ميشال المر في المتن… لكن الأفدح أن ترتد الهزيمة على الجمهورية.. فنخسر بذلك موقع الرئاسة التوافقي.
لقد أغرى رئيس الجمهورية اللبنانيين بموعد الثامن من حزيران، بوصفه، موعد انطلاق ورشة التغيير والاصلاح… ولكن ماذا يضمن ألا يتحول هذا التاريخ مفصلا لجهة اهتزاز موقع رئاسة الجمهورية ودورها الحكم.. عندئذ نكون أمام احتمــال تكرار، ما أصاب الرئاسة في السنوات الخمس الأخيرة من كدمــات وشظايا ما تزال آثارها طرية في زوايا القصر الجمهوري وذاكرة اللبنانيين.
لعل هناك من تولى في القصر الجمهوري، أمس، اعداد تقرير حول خطاب باراك أوباما في جامعة القاهرة وهناك من يقرأ جيدا ما يجري من تطورات في المنطقة.. ربما هناك الفائدة… وليس في «الجل البلدي» في عمشيت!
لنستمع جيدا الى ما سيقوله ميشال عون اليوم… وسليمان فرنجية في الأيام المقبلة.