خطاب أوباما صفحة جديدة تفتقر إلى خريطة طريق

لم يشق طريقه إلى لبنان المنشغل بالعد العكسي للانتخابات
خطاب أوباما صفحة جديدة تفتقر إلى خريطة طريق

الخطاب الذي القاه الرئيس الاميركي باراك اوباما، في القاهرة وتوجه فيه الى العالم الاسلامي بنية فتح "صفحة جديدة" من العلاقات بين الولايات المتحدة الاميركية والدول الاسلامية في المنطقة، لم يقع في التوقيت الصحيح بالنسبة الى لبنان لان انشغال اهله بالانتخابات النيابية قبل يومين من موعدها صرف نظرهم عن متابعة الخطاب واهميته، على رغم اشارة اوباما في خطابه الى الموارنة في لبنان في اطار تشديده على احترام الاديان الاخرى والاقليات في المنطقة.

ومن المستبعد الى حد كبير ان تؤثر في الانتخابات الصورة الجديدة للولايات المتحدة في المنطقة وسياسة التفهم والانفتاح التي اعلن اوباما انه سينتهجها مع دول المنطقة، علما ان اي مواقف متشددة كان يمكن ان تترك انعكاساتها على الانتخابات وكان سيجرى توظيفها فيها لو وردت في الخطاب، الذي لم يتضمن اي امر نافر يمكن ادراجه في هذه الخانة.
فقد كان الخطاب، في مضمونه وابعاده، اعلى بكثير من فضاء الانتخابات والواقع السياسي في لبنان وستكون له مفاعيل ابعد مدى في المستقبل القريب.

ولا شك بالنسبة الى المتابعين المهتمين في ان اوباما دشن عبر خطابه في القاهرة مرحلة جديدة من السياسة الاميركية اقله في المبدأ ومن حيث وجود ارادة لذلك، محدثا فاصلا بين الماضي القريب واسبابه ومبرراته وتفاصيله، والواقع الذي ينبغي ان تكون عليه الامور في المستقبل في العلاقات الاميركية – الاسلامية. الا ان هذه الصفحة الجديدة هي عنوان لكتاب او لمرحلة او لمستقبل يحتاج الى مضمون عملي يترجمه. فهناك من جهة عالم اسلامي كثير الشكوك في ما تضمره الولايات المتحدة للمنطقة انطلاقا في شكل خاص من علاقتها باسرائيل التي وصفها اوباما بانها ثقافية وتاريخية، كأنما الولايات المتحدة واسرائيل في جهة، والعالم الاسلامي في جهة. وهو تاليا يحتاج الى تطمينات كثيرة ومبادرات اكثر. وبهذا المعنى كانت ثمة توقعات كثيرة معلقة على الخطاب، بحيث ان الكثير مما اعلنه اوباما فيه كان معروفا في اساسه منذ الحملة الانتخابية التي قادته الى الرئاسة والمؤشرات الاولى التي اطلقها، فضلا عن فوزه وانتخابه رئيسا رغم خلفيته الاسلامية.

وهذا جانب مريح في الاساس للعالم الاسلامي يدعم الرهانات على فهم اوسع لدى اوباما لهذا العالم. وتاليا فان هذا الخطاب الذي وجهه الى العالم العربي من احدى الدول العربية الاساسية بدل مخاطبته العرب من واشنطن، هو امر ايجابي جدا في ذاته باعتباره من حيث محاولة ازالة المسافات في اوجهها المتعددة. لكنه لا يخاطب في الواقع التوقعات الكبيرة حيال ما كان يمكن ان يحمله من افكار او "خريطة طريق" كانت متوقعة منه، وخصوصا في الشق المتعلق بالصراع العربي – الاسرائيلي بعدما كان رسم المعالم لذلك في مواقف عدة سابقة، وخصوصا في الخطاب الذي القاه في تركيا في 6 نيسان الماضي وقدم فيه لخطابه الحالي عبر اعلانه البحث عن تواصل اوسع مع العالم الاسلامي وتأكيده ان الولايات المتحدة لن تكون ابدا في حال حرب مع الاسلام وتكراره ذلك في القاهرة. وهذا امر مطمئن ويريح العالم الاسلامي كما تريح التطمينات التي ساقها في موضوعي العراق وافغانستان من مصر، بعد مروره بالمملكة العربية السعودية. ففي جولته على هذين البلدين اكثر من مغزى، منه التوجه منهما الى العالم الاسلامي من جهة، والتطمين السياسي من جهة اخرى الى التحالفات التي تقيمها الولايات المتحدة في المنطقة وامكان تجاوزها كل الخلافات بفعل المصالح والاهداف المشتركة، وعدم امكان التهاون بهذه المصالح لا بل المحافظة عليها اذا اخذ في الاعتبار احتمال الحوار الاميركي – الايراني المرتقب والاستفزازات التي يثيرها التمدد الايراني في المنطقة بالنسبة الى الدول العربية.

وكان واضحا بالنسبة الى المعنيين عدم رغبة اوباما في ان يخطئ في خطابه بل هو يرغب في اقامة توازن في كلامه بحيث يرضي الجميع ولا يستفزهم. على ان الاسئلة التي يطرحها هؤلاء تتصل اولا بمعرفة ما اذا كان الرئيس الاميركي مقتنعا بقدرة بلاده على السير قدما نحو نقل مستوى العلاقات الى المرحلة التي تحدث عنها، وهل يملك شخصيا الهامش اللازم والكبير للتحرك نحو تنفيذ ما يؤمن هو به، اولا في ضوء اعتراضات داخلية بدأت تلوح وتحد من هامش تحركه ليس في موضوع الضغط على اسرائيل فحسب بل ايضا في قضايا داخلية وخارجية اخرى، ومن ثم في ضوء اعتراضات خارجية كالاعتراضات الاسرائيلية التي يمكن ان تضيع على الاقل جهود اوباما لوقت طويل. فالمشكلة لا تكمن غالبا في العناوين او في النيات. ويبدو واضحا على الاقل حتى الآن ان اللقاءات التي عقدها اوباما مع مسؤولين وزعماء في المنطقة بين خطابه في تركيا في نيسان حيث تطرق الى دفع عملية السلام وتمسكه بحل الدولتين، وخطابه بعد شهرين في القاهرة ان اللقاءات لم توفر له الفرصة لتقديم عناصر حاسمة تدفع قدما الى الامام ما يقول به حول عملية السلام. ولعله كان يأمل في ذلك لولا ان الحكومة الاسرائيلية لم تظهر اي تجاوب معه للانطلاق في سرعة الى مفاوضات سلمية لوقف الاستيطان وتحقيق حل الدولتين، كما لم يتفق الفلسطينيون على نحو يؤمن محاورا قويا يضغط في هذا الاتجاه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل