لابد من حكومة ائتلافية بعد الانتخابات
يواجه لبنان في السابع من حزيران انتخابات برلمانية محتدمة بين تحالفي 14 و8 آذار. ولكن، مهما تكن الغالبية التي قد يحصل عليها أي من الطرفين، إن وجدت، فإنها ستكون ضئيلة جدا. إذ سيظل البلد منقسماً بالتساوي تقريباً بين المعسكرين، ولايمكن أي حكومة أن تحكم باستقرار ونجاح بعد الانتخابات من دون ائتلاف واسع، ومن دون دور بارز لرئيس الجمهورية الذي انتُخب كمرشّح إجماع في العام الماضي. لذا، ينبغي على المجتمعَين العربي والدولي تشجيع الفرقاء في لبنان على تشكيل حكومة ائتلافية بعد الانتخابات، كما ينبغي تواصل الدعم العربي والدولي لمؤسسات الدولة السياسية والامنية والاقتصادية، ومنها بالاخص مؤسستا الرئاسة والقوات المسلحة.
إذا ما تمكن تحالف 14 آذار من الحفاظ على غالبيته في البرلمان، فلن يكون هناك تغيّر جذري في السياسات العامة. وهو عَرَضَ تشكيل حكومة ائتلافية مع المعارضة إذا ما فاز في الانتخابات، لكنه امتنع عن وعدهم بما يسمونه الثلث المعطل، أو ما تسميه المعارضة الثلث الضامن. وفي حين أن هذا يعتبر موقفاً مفهوماً نظراَ الى تعثر القرار وتصاعد المناكفات في الحكومة الائتلافية الحالية، إلا أن الخلاف على هذه النقطة أدى إلى نشوب القتال في العاصمة في العام الماضي، ويُحتمل أن يؤدي إلى ذلك أو ما يوازيه مرة أخرى اذا ما مُنع تحاف 8 آذار من أي مشاركة فعّالة في الحكم. وبالتالي، من الافضل أن يستغل تحالف 14 آذار فوزه، اذا حصل، لانتزاع التزامات اضافية من تحالف 8 آذار حيال المحكمة الدولية و القرار 1701 والملفات الاقتصادية العالقة، والمضي معاً قُدُماً في حكومة ائتلافية قد تتعثر بعض الشيء في أخذ القرار ولكن تضمن حيزا مهما من المشاركة والاستقرار.
أما إذا فاز تحالف 8 آذار، فإن الاعتبارات تختلف. فأولاً، قد يكون رد فعل المجتمع الدولي شديدا، بحيث تُصوّر النتيجة باعتبارها استيلاءً لـ"حزب الله" على السلطة، وتُعقد المقارنات فيها مع استيلاء حركة "طالبان" على إسلام آباد أو سيطرة "حماس" على غزة. وقد يؤدي هذا إلى انهيار خطير في الدعم الدولي للدولة اللبنانية وقواتها المسلحة. كما يمكن أن يكون هناك رد فعل مماثل في العالم العربي، حيث يمكن أن يؤدي وقف الدعم الاقتصادي، وخاصة من المملكة العربية السعودية ودول الخليج النفطية، إلى انهيار الثقة بالاقتصاد اللبناني، ويتحوّل التدهور الاقتصادي إلى اضطرابات اجتماعية وأمنية.
حتى الآن، يقول زعيم تيار المستقبل النائب سعد الحريري إنه لن يشارك في حكومة يقودها تحالف 8 آذار. ولكن اذا لم يشارك تحالف 14 آذار في حكومة ائتلافية، ولم يأخذ "ثلثاً ضامناً" فإن هذا من شأنه أن يزيد من احتمالات اتخاذ حكومة يقودها تحالف 8 آذار قرارات قد تعرّض إنجازات رئيسة – مثل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أو القرار 1701 – إلى الخطر ويفتح المجال واسعاً لاعادة ربط اجهزة الدولة بسوريا وربط الدولة اللبنانية بعلاقات أمنية وإقتصادية وسياسية جديدة ومتقدمة مع إيران. كما أن من شأن ذلك المساهمة في انهيار الثقة الدولية بالدولة اللبنانية والثقة الداخلية بالعملة والاقتصاد الوطنيين. من هذا المنطلق فإن تحالف 14 آذار قد يخدم قواعده الشعبية ومصالح الدولة والاقتصاد على نحو أفضل إذا ما شارك في الحكومة بدل مقاطعتها.
وثمة نتيجة ثالثة ومحتملة جداً للانتخابات تتمثّل في انتاج برلمان "مُعلّق"، حيث يحصل كلا المعسكرين على أقليات كبيرة ولكن تحتل مجموعة من النواب المستقلين، قريبة من رئيس الجمهورية، مقاعد الوسط وتصبح "بيضة القبان" في صنع الأكثريات في المجلس. ومن المحتمل تماماً أن تُفضي هذه النتيجة إلى تشكيل حكومة ائتلافية موسّعة، ربما بقيادة رئيس وزراء من تحالف 14 آذار، ولكن مع عدم وجود غالبية لأي من المعسكرين في الحكومة، على أن يكون لكليهما ثلث "معطّل" أو "ضامن" فيها.
بالنسبة إلى المجتمع العربي والدولي فمن المهم، أولاً، احترام العملية الانتخابية اللبنانية. هذه أول انتخابات في ظلّ قانون انتخاب مقبول من جميع الفرقاء منذ انتخابات العام 1972، كما أن الانتخابات تجري في غياب الوصاية السورية وتحت اشراف وزير داخلية مشهود له بالنزاهة والمناقبية والحياد. وستعكس النتيجة خيارات الناخبين اللبنانيين، سواء كان ذلك للأحسن أو للأسوأ.
إضافة إلى ذلك، من المهم بالنسبة إلى المجتمع العربي والدولي تشجيع الأطراف على المشاركة في حكومة ائتلافية بعد الانتخابات للحيلولة دون حدوث انقلابات جذرية وخطيرة في السياسات العامة والحفاظ على الاستقرار الذي لايزال هشّاَ جدّاَ. ومن الضروري أيضاً الحفاظ على الدعم القوي لرئاسة الجمهورية، التي تسهر على التوازن والاعتدال في النظام، وللجيش الوطني، الذي، وإن لم يكن سيّدا فعلا على كل الاراضي اللبنانية، الا انه يلعب دوراً مهما في الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد.
لايزال لبنان جمهورية في خطر، كما انه يقع في إطار جيواستراتيجي بالغ الصعوبة. فانسحاب القوات السورية في العام 2005، واستقرار الحدود اللبنانية – الإسرائيلية بعد حرب العام 2006، وإعادة إرساء الاستقرار السياسي والاقتصادي بعد احداث أيار 2008 هي إنجازات ثمينة. ويجب أن تكون الانتخابات النيابية المقبلة مناسبة لترسيخ هذه الإنجازات وهذا الاستقرار، لا لإعادة انتاج صراعات ومواجهات جديدة.