#adsense

المسيحيون على ثوابتهم أم أمام تحول تاريخي؟!

حجم الخط

المسيحيون على ثوابتهم أم أمام تحول تاريخي؟!

اكثر ما يميز المسيحيين، ولا سيما الموارنة، تعلقهم بالكيان اللبناني وذودهم عنه بوصفه وطناً في هذا الشرق، يحتضن قيمهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية وتتجسد فيه مصالحهم الاقتصادية والمعيشية. وكانت قد ترسخت على مر السنين، ثوابتهم اللبنانية القائمة على مداميك ثلاثة: الكنيسة، الكيان، والسيادة والاستقلال، والتي تحولت مع الايام الى مبادئ ومعايير جعلت الشارع المسيحي يلتف حول من يلتزم بها وينبذ من يبتعد عنها. لكن تطور الاحداث خلال السنوات الاربع الاخيرة، راح يؤشر الى متغيرات بدأت تثير هواجس وتساؤلات غير مسبوقة عن مصير هذه الثوابت وتأثيرها على لبنان والمسيحيين..

في الواقع، يمكن الحديث عن تجربتين للمسيحيين في تعاطيهم مع هذه الثوابت منذ الاستقلال: الدفاع العنفي عنها والذي عبر عنه بالحروب الاهلية والاحداث الاليمة (1958 و1975)، والذهاب الى التسوية (1943 و1990). والمعروف ان الكنيسة (بكركي) التي اعطيت مجد لبنان، لم تكن بعيدة عن نبض وحركة الشارع المسيحي، ذلك انها بقيت على الدوام تمثل رمزية معينة، مع ان بعض الاختلافات كانت تظهر من حين لآخر بين بكركي والمرجعيات المسيحية السياسية ومن بينهم بعض رؤساء الجمهورية، غير ان هذه الاختلافات لم تكن لتصل حد المس بجوهر الثوابت التي سبق الحديث عنها.

مرحلة العبث بالثوابت، بدأت مقدماتها تظهر مع بداية الانقسام المسيحي وحروب "الالغاء" و"التحرير" والتي لم تنجو بكركي من سهامها وحممها مع انها كانت ولا تزال، تمثل احد هذه الثوابت. واذا لم يكن الخروج عن الثوابت واضحاً حينذاك، بحيث ارتدى التهجم على بكركي طابع التطرف والمزايدة على حقوق المسيحيين، فان الحاضر المستمر منذ اربع سنوات، يكشف بوضوح زيف جماعة "التحرير" و"الالغاء"، حملة شعارات الحرية والسيادة والاستقلال الذين حاولوا ولا زالوا يحاولون بشتى الوسائل والطرق طمس ماضيهم الاسود الداكن بلون آخر هو "اورانج" "التغيير والاصلاح"، منتقلين بسرعة قياسية من السيادة الى التبعية ومن الاستقلال الى الامتثال ومن الدولة الى الدويلة ومن شرف السلاح الشرعي الى تشريع السلاح الميليشاوي، ومن قضية لبنان الحر، السيد والمستقل الى الآعيب الثلث المعّطل ومحور "المقاومة والممانعة".

قبل اربع سنوات، استطاع تيار "الالغاء" و"التحرير" الذي تقمص شعارات "السيادة" و"الاستقلال" ومن ثم "الاصلاح" و"التغيير"، ان يحصد غالبية اصوات المسيحيين ويفوز بكتلة نيابية وازنة، لكن ممارسة هذه الكتلة خلال السنوات الاربع الاخيرة، جاءت معاكسة تماما لتلك الشعارات والوعود التي تقدم بها الجنرال عون للناس وعاهدهم على تحقيقها لا سيما ما يتعلق منها بسيادة الدولة وسيطرة مؤسساتها الشرعية على كامل الاراضي اللبنانية.

خلافا للشعارات ذات النبرة العالية والوعود المنثورة اثناء وجود عون في منفاه الباريسي وبعد عودته الى لبنان، يبيّن شريط الاحداث خلال السنوات الاخيرة بوضوح، خطورة وحجم الانتهاك "العوني" للثوابت المسيحية التاريخية: الانقضاض على انجازات ثورة الارز واهانة رموزها وشهدائها، الهجوم المرّكز على راس الكنيسة غبطة البطريريك صفير، التطاول على رئيس الجمهورية ميشال سليمان، الإمعان في دعم شرعيات بديلة عن شرعية الدولة وتغطية سلاح بديل عن سلاحها وصولاً الى وضع مصير الكيان اللبناني الذي يمثل الركن الثالث لهذه الثوابت على المحك، وذلك في ظل جموح شمولي ـ عسكريتاري غير مسبوق بات يهدد اسس الدولة اللبنانية ويعرض تجربة التنوع اللبناني للخطر.

جهود دعائية ـ تظليلية جبارة يبذلها جهابذة التيار العوني الذين يبدو انهم لم يتعلموا او لا يريدون ان يتعلموا شيئاً من ماضي اخطاءهم وخطاياهم، فتستمر تلك النزعة الدونكيشوتية المغلفة بياقات برتقالية بالتحكم بسلوكهم السياسي والدعائي والاعلاني رغم افتضاح زيف شعاراتهم وادعاءتهم خلال السنوات الاربع الاخيرة، وسقوط ورقة التين التي تستر عوراتهم في اكثر من استحقاق ومناسبة.

السؤال المطروح بقوة عشية الانتخابات النيابية، المصيرية بامتياز لا سيما بالنسبة للمسيحيين، ليس بالتأكيد حول ما يتعلق بالسلوك العوني تجاه الثوابت المسيحية، وهو الامر الذي بات مكشوفاً للقاصي والداني، انما المطروح هو حقيقة موقف واتجاه الشارع المسيحي من تلك الثوابت، بحيث يتساءل الناس: ترى هل استطاع الجنرال عون ورغم كل مقالبه وانقلاباته اقناع المسيحيين بتغيير موقفهم من ثوابتهم بشأن الكنيسة والكيان والسيادة والاستقلال ام ان المسيحيين افتضحوا امره وهم مجددا على العهد؟ الجواب مساء 7 حزيران في صناديق الاقتراع.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل