مفاجأة جبيل والمزاج المسيحي
منذ كانت الانتخابات النيابيَّة وجبيل تعتبر نفسها الساحة الدائمة التي يلتقي فيها فريقان متنافسان، يتنازلان بضراوة كأنهما جبلان.
وكأنما كُتب عليها أن تختصر المزاج المسيحي في الجبل، أو تعبٍّر عنه.
منذ أيام الرئيسين إميل إدّه وبشارة الخوري، والكتلة الوطنية والكتلة الدستوريّة.
ومنذ تولى العميد ريمون إده زمام الحزب الذي كان من أبرز عناوين الديموقراطية اللبنانية، وخير مَنْ جسَّد ممارستها باسلوب لا تنقصه الحرية ولا يفتقر الى مزيد من المناقبية والسلوك الحسن.
منذ تلك الأيَّام وجبيل وحدها في كفة والجبل كله في كفة.
ومن جبيل بالذات انطلقت تسمية أمّ المعارك، وقبل أن يكتشفها ويتبنّاها صدام حسين بزمن طويل.
على هذا الاساس، واستناداً الى "المفاجأة" الجبيليّة الأخيرة، كان الحديث عن احتمال ظهور مفاجآت أُخرى، لن تكون دائرة كسروان بمنأى عنها أو محصَّنة دونها.
… وكانت العودة الى تلك "الاعجوبة" المشهورة التي كانت كسروان مسرحها قبل واحد وأربعين سنة بالتمام والكمال، والتي عبَّرت عن مفعولها وتأثيرها في صناديق الاقتراع، والتي ساهمت نتائجها التي فاجأت حتى الجنرال الأمير الرئيس فؤاد شهاب.
ثم كانت تلك المفاجأة و"الاعجوبة" التالية، التي تجلت في هزيمة النهج والشهابيَّة في ساحة النجمة، وتحت قبة البرلمان، حيث فاز الرئيس سليمان فرنجيّه بالرئاسة في وجه الياس سركيس. وبصوت واحد، سمَّاه غسان تويني صوت الشعب.
وكانت جبيل قد قالت "نعم" مدوِّية لذلك العميد العنيد الفريد وللائحته، وبأكثرية نارداً ما جادت بمثلها هذه المنطقة المميزة على مرشح أو لائحة.
ولكن، كيف كان ذلك؟
وكيف كانت المفاجآت والمتغيّرات؟
في انتخابات صيف 1968 كانت المواجهة حامية الوطيس، وعلى أشدٍّها بين "الحلف الثلاثي" المؤلف من الرئيس كميل شمعون والعميد ريمون إده والشيخ بيار الجميل وتكتّل "النهج" الشهابي الذي يحجب العسكرة والمكتب الثاني وهيمنة الأجهزة…
قبل موعد الاقتراع بيومين شاء الرئيس شمعون أن يقوم بجولة في كسروان التي كانت نتائجها شبه محسومة سلفاً وشبه موضوعة في جيب الشيخ الياس الخازن.
لدى وصول سيارة شمعون الى جوار منزل الرئيس شهاب فوجئ بالطريق مقطوعة بأكوام من الحجارة، وبـ"حراسة" غير مباشرة من أناس ليسوا بعيدين عن المكتب الثاني.
لم يقل الرئيس شمعون شيئاً. نزل من سيارته تسبقه تلك الابتسامة التي تنقّط دهاءً، ثم اقتعد حجراً في وسط الطريق، ليوزِّع تحياته بيديه الاثنتين على الناس الذين بدأوا يتوافدون عندما شاع الخبر.
ولما اكتمل النصاب، واكتمل الحشد، وحضر الصحافيون والمصورون من كل حدب وصوب، وقف خطيب الكتائب لويس أبو شرف حاثاً الناس والسامعين على الالتفات صوب تمثال سيٍّدة حريصا التي برمت وجهها في اتجاه الرئيس شمعون، لتمنحه بركتها.
وبعد فتح الطريق وازالة الحاجز، وقبل أن يقفل الرئيس شمعون عائداً الى بيروت التفت الى أعضاء اللائحة الكسروانية الذين أحاطوا به قائلاً والابتسامة ذاتها لا تزال ترتسم على وجهه: اهنئكم يا شباب منذ الآن. السيٍّدة برمت وجهها، وكسروان برمت قرارها.
وهكذا كان، وهكذا اكتسح "الحلف" الدائرة التي كانت مسوكرة للشهابيين.
وكأنما التاريخ يعيد نفسه، وانطلاقاً من جبيل التي لم تغيٍّر عاداتها. فها هي تتحول مرة أخرى ساحة نزال بين جنرالين، ونهجين، ولبنانيْن.
فهل تبرم سيٍّدة حريصا وجهها غداً، وتبرم كسروان قرارها؟