انتخابات تتميز بمقدار كبير من الفرادة مؤهلة لإنجاز ديموقراطي
مفاجأة جبيل تقتحم التوقعات وتضيء على الدور المقبل للرئاسة
ادخلت التطورات الاخيرة وابرزها مفاجأة جبيل جديدا مهما جدا على المشهد الانتخابي قبل 48 ساعة من موعد الاقتراع. وهذه المفاجأة لم تتحسب لها غالبية استطلاعات الرأي، التي جزمت وعلى نحو قاطع بالنتائج النهائية للانتخابات النيابية قبل حصولها، في هذا الاتجاه او ذاك.
لكن الاستطلاعات الحقيقية والفعلية لا تجزم مسبقا بمن سيفوز بمقدار ما تضع كل الاحتمالات والسيناريوات المحتملة في ضوء هذه الاحتمالات. وقلة من الاستطلاعات اخذت التطورات الاخيرة في الاعتبار على اساس ان من شأنها ان تدخل تغييرات على مسار المعركة الانتخابية ونتائجها الى حد احتمال احداث انقلاب فيها، حتى وإن اقتصرت على قضاء جبيل، ولم تنسحب على اقضية اخرى قريبة كقضاءي كسروان والمتن. فالتفاؤل بالنسبة الى بعض المراقبين هو في كون الانسحابات تدعم في غالبيتها موقع رئيس الجمهورية وان تكن نسبة الاصوات التي يمكن ان ينالها اصحاب هذه الانسحابات لا تتعدى الاثنين او الثلاثة في المئة. فهذه النسبة تبقى مهمة ومؤثرة جدا لان المعركة تنافسية بشدة وستكون بفارق اصوات غير كبير.
وهذا التفاؤل يفتح ايضا بالنسبة الى هؤلاء الباب امام تساؤلات كبيرة، من نوع هل ستفتح معركة جبيل الباب امام رئيس الجمهورية ليمتلك قوة حاسمة في مجلس النواب المقبل، حتى وإن لم يقم هو بخوض المعركة، إذ ان من يخوضها يفعل ذلك من اجل دعم موقعه؟
ان التطورات الاخيرة سمحت ببروز توقعات جديدة لنتائج الانتخابات في قضاء جبيل مبنية على اساس انه سيغدو صعبا على اهالي المنطقة عدم دعم من يدعم رئيس الجمهورية في مسقط رأسه او يترشح على اساس تقوية موقعه، اضف الى ذلك ان تجمعا للنواب حول رئيس الجمهورية يسمح بتشكيل كتلة من شأنها ان تنتزع من الفريقين الاساسيين المتناقضين القدرة على امتلاك الاكثرية، وتاليا تغدو كتلته هي المرجحة في مجلس النواب، بما ينعكس على الحكومة تاليا وحتى على صلاحيات الرئيس حيث استعادته معنويا صلاحيات لم يعد يوفرها له الدستور.
وهذا الامر سيتيح للمراقبين الاستنتاج ان كتلة من هذا النوع قد تجعل رئيس الجمهورية اقوى رئيس ماروني ما بعد اتفاق الطائف، باعتبار ان قوته نابعة من القدرة الداخلية وحدها على التحكم في اي اكثرية وتقيم فارقا كبيرا تسمح له بقيادة عملية متوازنة يمكن ان تخرج لبنان من السيناريوات المتشائمة حيال فوز اي من الفريقين، 14 أو 8 آذار. ومع ان من المبكر الجزم في هذا الاتجاه عشية المعركة الانتخابية، فان ردود الفعل التي احدثها التطور الاخير في قضاء جبيل قاد الى آفاق اجديدة واسئلة كثيرة من الصعب الاجابة عنها قبل صدور نتائج الانتخابات.
فرئيس الجمهورية يتمتع بمقدار عال من الدعم الخارجي يتجاوز بكثير نسبة الدعم الداخلي الظاهرة له حتى الآن، علما ان دولا كثيرة اظهرت في المدة الاخيرة اعتراضها بحزم على التهجم عليه واستهدافه بحيث حاذرت قوى معينة التصويب بقوة وصراحة على رئيس الجمهورية في موضوع التطورات الاخيرة في جبيل على رغم تلميحات قوية لها في هذا الاطار. وهي تجنبت ذلك خصوصا عشية الانتخابات لخشيتها ارتداد ذلك سلبا عليها من جهة، وخشيتها ان تثير حساسية الخارج الذي تتواصل معه هذه القوى في حال تخطى الاستهداف حدودا معينة، من جهة اخرى، لان هذا الاستهداف لا ينظر اليه بايجابية على الاطلاق. اذ ان الرئيس ميشال سليمان تنظر اليه دول كثيرة عربية على انه حجر الزاوية الذي يقوم عليه البناء المؤسساتي اللبناني راهنا وفي المرحلة المستقبلية القريبة. ولا يمانع كثيرون في ان يكون رئيس الجمهورية قادرا على ان يحدث فارقا في الانتخابات، نظرا الى السيناريوات غير المشجعة في ضوء نتائج الانتخابات لمصلحة اي طرف كانت.
هذه التطورات لا تمنع وجود خشية من مفاجآت اخرى في اي لحظة قبل الانتخابات وخلالها وان لم تكن بطبيعة المفاجآة الاخيرة في جبيل، ولكن على غرار ما كشف مثلا في موضوع الهويات المزورة، وربما غدا استقدام عدد من المجنسين وما شابه من احتمالات بنسبة كبيرة يمكن ان تحدث فوارق غير متوقعة في الانتخابات ونتائجها.
لكن هذا لا يمنع تقويم غالبية المراقبين ان هذه التطورات ادخلت مزيدا من الاثارة الى العملية الانتخابية التي تتميز بقدر عال من الفرادة حتى الآن، على غير ما عرفه لبنان في تاريخه الحديث من معارك انتخابية، ذلك ان النتائج النهائية متقاربة جدا وفق كل التوقعات والترجيحات بما يشجع على التصويت والمشاركة مساهمة في احداث هذا الفارق لهذه الجهة او تلك. وحيال الانقسام الظاهر بين مشروعين سياسيين يظهر عدد كبير من الدول اهتماما ومتابعة لفوز اي منهما، معززين بسيناريوات مختلفة لكل الاحتمالات، كما ان مرور العملية الانتخابية بسلام وتقبل نتائجها ايا تكن طبيعة هذه النتائج سيسمح في الوقت نفسه بأن يحظى لبنان بالقدرة على المفاخرة بانجاز ديموقراطي على رغم الانقسام الكبير