بعد الحملة الاستباقية على سليمان لنزع الصفة التوافقية عنه
محاولة لحرمان الرئيس الصوت الوازن عند تشكيل الحكومة
تخشى أوساط سياسية ان تكون الحملة غير المبررة على الرئيس ميشال سليمان حملة استباقية مدبرة قبل اعلان النتائج الرسمية للانتخابات، كأنها تمهيد لإحداث أزمة وزارية قد تتحول أزمة حكم يكون لها ما يبررها، وهو أن الرئيس لم يعد رئيسا توافقيا بل هو رئيس منحاز وطرف ضد طرف آخر… بحيث لا يعود أهلا للثقة الشاملة ولا يكون له في أي حكومة الصوت الوازن، وعندها يصبح في الامكان تنفيذ شعار اقامة "الجمهورية الثالثة" برئيس جديد وحكومة جديدة ودستور جديد. وهذا ما يهمس به بعض قوى 8 آذار في مجالسه الخاصة لكنه يصطدم حتى الآن بمعارضة البعض الآخر، مثل الرئيس بري الذي لا يزال يتمسك باتفاق الطائف الذي قامت على أساسه الجمهورية الثانية.
وتخشى الاوساط نفسها ايضا ان تكون الحملة على الرئيس سليمان في ظاهرها مرتبطة باتهامه في التدخل في انتخابات دائرة جبيل، لكن في الواقع قد يكون لها خلفيات سياسية أبعد من ذلك بكثير وهي ترمي الى التحضير الى تحقيق حلم العماد ميشال عون في الوصول الى قصر بعبدا والبقاء فيه… هذا الحلم الذي يراوده منذ ان كان قائدا للجيش ومن ثم رئيسا لحكومة انتقالية، اذ انه صارح المحامي بقرادوني انه سيهدم الهيكل اذا حال جعجع دون تحقيق حلمه هذا، وقد سمح لعدد من النواب بالانضمام الى لقاءات الطائف شرط ان يعارضوا انتخاب رئيس للجمهورية في السعودية لئلا يصير انتخاب سواه، وعندما صار انتخاب رينه معوض رئيسا للجمهورية أقدم، خلافا للدستور، على حل مجلس النواب بعد منتصف الليل ورفض اخلاء قصر بعبدا لخلفه المنتخب. وعندما صار انتخاب الياس الهراوي رئيسا للجمهورية بعد اغتيال الرئيس معوض، طلب من الصحافيين ان لا يسبق ذكر اسم رينه معوض لقب "فخامة الرئيس" لانه لا يعترف برئاسة صنعتها له سوريا، وهدد بفتح باب منح الامتيازات الصحافية… كما رفض في ما بعد الاعتراف برئاسة العماد اميل لحود للسبب نفسه، ومن ثم عارض التمديد لولايته وقال في حديث صحافي له بعد حصول هذا التمديد "ان الرئيس لحود لن يكمل الولاية الممددة".
وعندما بدأت معركة الرئاسة الاولى رفض العماد ميشال عون تأييد أي مرشح سواه لهذه الرئاسة واشترط للقبول بذلك تحديد الولاية بسنتين فقط ولمرة واحدة. وعندما لم تُستجب رغبته، شارك في تعطيل الانتخابات الرئاسية مدة ستة أشهر، مع انه، لو لم يشارك في هذا التعطيل، لكان عدد نواب كتلته كافيا لتأمين النصاب لجلسة الانتخاب، ولما دعت الحاجة الى تدخل قطر والدعوة الى مؤتمر الدوحة من أجل التوصل الى حل يخرج لبنان من أزماته الحادة.
والسؤال المثير لقلق الناس هو: هل ثمة مخطط يحظى بموافقة ايرانية وعدم ممانعة سورية يقضي إما بإحداث أزمة حكم تُكْرِه الرئيس سليمان على الاستقالة للانتقال عندئذ من الجمهورية الثانية الى الجمهورية الثالثة تحقيقا لشعار "الاصلاح والتغيير"… أو إحداث أزمة وزارية يضطر الرئيس سليمان للخروج منها الى التسليم بما تريده قوى 8 آذار والمتحالفون معها بحيث يصبح الرئيس سليمان مجرد رئيس بروتوكول، لا هو حاكم، كونه لا يملك الصوت الوازن في مجلس الوزراء ولا الصوت الوازن في مجلس النواب، ولا هو حكم، لانه في رأي فريق 8 آذار لم يعد رئيسا توافقيا بل رئيسا "منحازا" لفريق 14 آذار وأنه فقد بذلك صفة الرئيس التوافقي والرئيس الحكم…
لقد استكثر فريق 8 آذار على الرئيس سليمان ان يكون له أصدقاء مرشحون للنيابة واتهموه بالتدخل لمصلحتهم ثم اتهموه بالتدخل لسحب بعضهم من المعركة لمصلحة هذا المرشح او ذاك، متناسين أن الرئيس سليمان هو رئيس صار التوافق عليه، فكان الرئيس التوافقي، وهذا لا يعني أن يكون صامتا لا قرار له ولا موقف، وإلا فقد هذه الصفة، وأن يكتفي بادارة الازمات لا أن يبلور لها الحلول، وان يكون "خيال صحراء" وهو ما يتناقض وموقف من يطالبون بزيادة صلاحياته كي يستطيع حسم الخلافات بين أهل السلطة، ولا يؤدي استمرارها الى شل عمل الدولة، إلا اذا كان بعض المطالبين بذلك هم مراؤون يقولون غير ما يفعلون…
لقد أكد الرئيس سليمان أكثر من مرة انه لن يتدخل في الانتخابات لا في تشكيل اللوائح ولا في تسخير أجهزة الدولة لمصلحة أي مرشح كي تكون هذه الانتخابات حرة ونزيهة. ويعترف الجميع بنتائجها ويسلمون بها. فلو انه أراد التدخل لكان رد على الفور على تدخل العماد ميشال عون في دائرته الانتخابية وفي عقر داره عمشيت بتأليف لائحة استفزازية، وذلك بتأليف لائحة من ناظم الخوري والدكتور فارس سعيد، ولم يكن تأخر في تأليفها الى ما قبل يومين من موعد الانتخابات وبقرار من المرشح اميل نوفل نفسه، لانه وجد ان استمراره في المعركة يؤمن الفوز للائحة العماد عون ولا دخل للرئيس سليمان في الموضوع، لانه قرر ان يتعامل مع نتائج الانتخابات أيا تكن. ولو صار التسليم جدلا بأن الرئيس سليمان تدخل لسحب المرشح اميل نوفل من المعركة أفلا يحق للرئيس ذلك كما يحق لسواه من الرؤساء والمسؤولين التدخل في تأليف اللوائح وفي سحب مرشحين لا بل يحق لهم الترشح وهم في السلطة.
فاذا كان لرؤساء جمهورية سابقين حق خوض الانتخابات بمرشحين منتمين الى أحزابهم وحتى التدخل في الانتخابات لمصلحتهم، أفلا يحق للرئيس سليمان، رغم انه رئيس توافقي، ان يتدخل ليس في الانتخابات بل في سحب مرشح في منطقته الانتخابية، مع أنه لم يتدخل، بل ان المتدخل كانت الحسابات الانتخابية فقط. وهنا يسأل وزير سابق لو أن العماد ميشال عون كان رئيسا للجمهورية، هل كان عمد الى حل حزبه ومنع أي محازب من الترشح للانتخابات وإلا اتهم بالتدخل فيها؟ أفلا يحق لرئيس السلطة الاولى في الدولة ان يكون له أصدقاء مرشحون أو ان يسحب مرشحا، في حين يحق لرئيس السلطة الثانية ورئيس السلطة الثالثة الترشح للانتخابات.
إن الحملة على الرئيس سليمان بتهمة تدخله في الانتخابات يخشى أن تكون حملة استباقية لمرحلة ما بعد الانتخابات لتصنيفه رئيسا غير توافقي يبرر حرمان اعطائه الصوت الوازن في مجلس الوزراء…