ثلاثة أحداث ميّزت 7 حزيران 2009
اكتب هذا المقال، قبل ساعات من اقفال مراكز الاقتراع، وارتياح الصناديق من ضغط الناس الذين تدفقوا منذ ساعات الصباح الأولى بمئات الألوف على هذه المراكز للقيام بواجبهم الانتخابي بعدما أمّنت لهم الدولة، ما وعدت به، من توفير جميع الشروط التي تتيح للناخب ممارسة الواجب الوطني بحرية واحترام وشفافية، باستثناء، ربما، ان الهجمة غير المسبوقة على الاقتراع، التي لم يشهدها لبنان من قبل، قد «أتعبت كثيرين خصوصاً المتقدمين في السن، والمرضى وأصحاب الحاجات الخاصة».
ولذلك فان كتابة مقالي باكراً، التزاما بالتوقيت الذي يضعه القسم الفني في الجريدة، تحول بيني وبين معرفة النتائج، او بعضها على الأقل، التي تصدر عادة عن الماكينات الانتخابية في كل قضاء، وبالتالي فاني أجهل تماماً نتائج منطقتي جزين، ومن هو الفائز فيها، ولكن هذا لا يمنعني أبداً من إعلان حزني الشديد لعدم تمكّني من المشاركة في هذا، الواجب المقدّس الذي كنت أنتظره بفارغ الصبر، بسبب عارض صحي أجبرني على متابعة الانتخابات من الفراش، وحرمني من الاقتراع لمصلحة لائحة قرار جزين التي تدعمها أحزاب 14 آذار، والتي أتمنى لها الفوز لتعيد الى منطقة جزين وجهها الحقيقي المستقل، وقرارها النابع من ذاتها.
ثلاثة أمور أساسية، ميّزت أمس الانتخابات المصيرية التي شهدها لبنان، والتي سترسم، الى وقت ليس بالقصير، مستقبل لبنان وشعبه.
الأمر الأول والأهم، هو النداء التاريخي الذي أطلقه رأس الكنيسة المارونية، المتقدّم بين متساوين بالنسبة الى رؤساء الكنائس الأخرى، البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، والذي تخوّف فيه من محاولات ضرب الكيان، وتغيير هوية لبنان العربية، ووضع اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، والموارنة في الدرجة الأولى امام مسؤولية وعي الأخطار المحدقة بلبنان، وانتخاب الأصلح والأفضل بعيداً عن التهويل والتخويف والمغريات، الأمر الثاني، كان حضور رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الى بلدته عمشيت لممارسة واجبه الانتخابي، وتصرفه، كأي مواطن عادي يخضع للأنظمة والقوانين، وما تضمنه ردّه على الأسئلة التي وجّهت اليه، بحيث ردّد حوالى الأربع مرات كلمة الديموقراطية، ودعا جميع القيادات الى الإلتزام بها وتطبيقها واحترامها، معتبراً ان تصرفات البعض في الداخل تتناقض مع الديموقراطية ومفهومها، وهي خطر على لبنان مثلها مثل الخطر الاسرائيلي.
وقد أثبت الرئيس سليمان في كلمته المقتضبة، الحازمة بهدوء وصلابة، ان مدرسة العسكر يمكن ايضاً ان تخرّج ديموقراطيين، وسبق لها وخرّجت سابقاً اللواء الرئيس فؤاد شهاب.
الأمر الثالث، والذي آمل ان تؤكده نتائج الانتخابات اليوم، هو ان اندفاع المسيحيين الى الاقتراع امس، بهذه الكثافة والحماس الكبيرين، انما يؤشر الى تسجيل موقف بالأرقام يظهر ان هناك تبدّلاً في المزاج المسيحي، كثر الكلام عنه في السنوات الثلاث الماضية، وتحديداً بعد تحالف التيار الوطني الحر و«حزب الله» وان أكثرية السبعين في المائة التي طالما استخدمها العماد ميشال عون لإعلان نفسه بطريركاً على مختلف الطوائف المسيحية، سقطت في هذه الانتخابات حتى ولو أعطته اكثرية نيابية، وهذا الواقع يمكن تلمّسه في متابعة ما جرى أمس على الأرض، حيث كانت ألوان الحلفاء تطغى على اللون البرتقالي.
أمّا اذا كانت النتائج اليوم في مصلحة 14 آذار، عندها يمكن القول ان اللبنانيين قد انتصروا اخيراً لدولتهم ورئيسهم ومؤسساتهم وجيشهم ووحدتهم ونظامهم الديموقراطي، وان المسيحيين بينهم قد انتصروا لكنيستهم وبطريركهم، ورئيسهم المسيحي الماروني المعتدل الديموقراطي صاحب الكلمة الراقية والموزونة والصادقة.
التدمير سهل، اما الصعوبة والجهد، والتعب والعرق فهي في البناء والتعمير، ان كان في البشر او في الحجر، والسنوات الثلاث الماضية شهدت الكثير من التخريب والتدمير والممارسات الغريبة، عن عاداتنا وثقافتنا وتقاليدنا ونمط عيشنا، وكل ما يتمناه اللبنانيون اليوم، ان تحمل نتائج الانتخابات النيابية بشائر الخير بأن حلفاء السلام والاستقرار والديموقراطية والحرية وقيام الدولة، هم الغالبون، وليس اي فريق آخر.
وعندها، فحسب، يبدأ موسم العزّ والبناء وتأهيل لبنان ليعود مرة ثانية منارة الحرية والفكر والديموقراطية في هذا الشرق، بقيادة الديموقراطي الأول العماد الرئيس ميشال سليمان.