لبّيك نصرالله…
بعض نواب الأقلية المتجددة، ممّن اعيد انتخابهم، او الذين تسللوا في غفلة من الشعب، مثل تلك الغفلات التي تصيب الشعوب احيانا كثيرة، بحيث تضيّع البوصلة، فتضيع هي وتضيّع معها اوطاناً عزيزة، لم يتعلّموا على ما يبدو، من الاخطاء والخطايا التي ارتكبوها في الفترة السابقة، أو ارتكبتها قياداتهم، وتبنّوها هم بكل طيبة خاطر على قاعدة «أمرك سيدنا» و«بتمون عَ الدمّات» ولذلك تراهم قد استيقظوا بعد سبات او «جمدة» طالتهم لمدة اربع وعشرين ساعة، بعد صدور نتائج الانتخابات، وظهروا الى العلن، بالصوت احياناً وبالصورة والصوت احياناً اخرى ليستعيدوا «امجادهم» التي يملكون حقاً حصرياً بها، وهي الالتفاف على الوقائع والحقائق، ومحاولة تنويم ذاكرة الناس، التي تحفظ الكثير من مآثرهم في الشتم والاهانة واعطاء المحاضرات في العفاف والنزاهة، وهم في الحقيقة يشبهون كل شيء انهار في هذا البلد، مع فارق وحيد لا قيمة له في حساباتهم، انهم يحملون وكالة عامة لمدة اربع سنوات، لتمثيل الجماهير الغفورة في مجلس النواب، فهؤلاء مثلاً يهددونك بعقوبات صوتية عالية النبرة، إن انت لم تعترف بهم ممثلين وحيدين للمسيحيين في لبنان وفي الشرق، علماً بأن مراجعة سيرهم الذاتية تؤكد انهم لا يمثّلون فعلاً سوى ثلث عدد النواب المسيحيين، وتتأكد ايضاً ان الثلثين الباقيين قد انحازا الى جهة اخرى مختلفة، ومع ذلك لا تجد امكانية «لإفحامهم» بأن حساباتهم غلط، مهما كنت تملك من حجج الاقناع والبراهين وتجيد اجراء العملية الحسابية البسيطة، واذا رغبت في الاستطراد لمعرفة كيف وصل هؤلاء حتى الى هذا الثلث، خصوصاً في الانتخابات الاخيرة، وتحديداً في مناطق جبيل وبعبدا وجزين دون المرور بالمتن، تقوم القيامة وينتصب الميزان، وتبدأ راجماتهم الثقيلة بالقصف العشوائي الذي تفهم منه بالنتيجة، انك فاسد واستئثاري وصدامي ولا تفهم لا بالتغيير ولا بالاصلاح، وهم وحدهم الملائكة والحملان، ولم يسبق لهم يوماً ورشقوا خصومهم او رئيس بلادهم، او رأس كنيستهم، الاّ بأزرار الورد والرياحين، وحتى لا اتهم بالتجنّي على «نوابنا» الذين يحملون على اكتافهم مسؤولية حمايتنا وسلامتنا بواسطة ورقة تفاهم «تاريخية»، يجب الاعتراف بأننا لن نسمع منهم بعد الآن المعزوفة الشهيرة التي اصمّت آذاننا طول اربع سنوات، بأنهم اهل السبعين بالمائة من اصوات المسيحيين، بعدما تدنت حرارة هذه النسبة الى ما تحت الخمسين، عقاباً لهم من الناس، حين تحوّلوا الى حصان طروادة لتنفيذ، او التستر على تنفيذ مشروع سرقة الوطن واخذه الى مكان آخر لا علاقة لنا فيه، سياسياً ولا عقائدياً، ولا تاريخياً ولا وطنياً ولا حتى دينياً.
* * * * *
لهذا السبب بالذات قال سيدنا البطريرك الماروني الكاردينال نصرالله صفير كلمته المحذّرة، والتي تردد صداها في جميع المناطق المسيحية، ويا ليته نطق بها باكراً وليس على أبواب الانتخابات، لأن صداها ومفعولها، كانا يمكن ان يحدثا تأثيراً اعمق في وجدان المسيحيين وفي قرارهم، ولكنه في اي حال كان كافياً لفرملة اندفاع المسيحيين غير العاقل نحو الكارثة، فحقق نداءه هذا انتصاراً كاملاً في بعض المناطق، مثل زحلة وبيروت الاولى والبترون والكورة وبشري، وحقق صحوة عاقلة ووقفة ضمير في مناطق اخرى، مثل المتن وكسروان وجبيل وجزين وزغرتا حيث تم «طرح الصوت» على الحلفاء طلباً للنجدة، فانجدوهم بالاصوات الجرّارة حفاظاً على تماسك الموقع المتقدم في مشروع تغيير هوية لبنان وقلب نظامه وكيانه.
البطريرك نصرالله صفير قال كلمته، والشعب صرخ: لبّيك نصرالله، ولبّى النداء لتثبيت ان الاكثرية واقعية وحقيقية، وليست وهمية ومسروقة، واذا كان تكتل التغيير والاصلاح في نسخته الجديدة، لم يقرأ جيداً نتائج الانتخابات، بعيداً عن المكابرة الجوفاء، ولم يسمع جيداً صوت بكركي واجراسها، فإنني ابشّره بحساب عسير من الناس في اول مناسبة تسنح لهم للتعبير مجدداً عن تعلقهم بوطنهم وكنيستهم ودولتهم.
السبعون في المائة ماتت، عاشت انتفاضة المسيحيين.