العرض المسيحي" بمقلبيه
على أمل ان تحمل السنوات الاربع المقبلة نسائم دولة مدنية حقيقية تعفي المواطن اللبناني من تصنيفه كائنا طائفيا ومذهبيا من دون اي اعتبار حتى لهويته الوطنية، لا بد من مواكبة خواتيم الاستحقاق الانتخابي بلمحة عن "العرض المسيحي" الاستثنائي الذي بدا النجم الأخاذ غير المتنازع عليه في انتخابات 2009. وفّر هذا الاستحقاق للمسيحيين مجموعة مكاسب بالغة الاهمية في تعزيز دورهم ضمن السياسة والنظام، ولكنه رتب عليهم في المقابل رزمة محاذير اضافية.
في خانة المكاسب اثبت المسيحيون قدرتهم على اجتراح دور استثنائي لهم في حماية النظام الديموقراطي والحريات عبر تطوعهم لمواجهات انتخابية غير مسبوقة في دوائر ذات غالبية مسيحية او مختلطة سلطت معها الاضواء الدولية والمحلية الكاشفة على هذا الدور وأعادت الألق اليه كدينامو محرك للديموقراطية اللبنانية.
وفي السياق نفسه شكّل الاحتدام المسيحي العامل الحاسم لوجهة النتائج التي اعادت الاعتبار بقوة الى اولويات الخط السيادي والاستقلالي وتقديمها على اي اولويات اخرى، فجاءت الغالبية المستعادة لقوى 14 آذار محمولة على هذا الوهج. ويكفي للدلالة على عينات معبرة في هذا التطور تسليط الضوء على معنى اكتساح الغالبية لدائرتي بيروت الاولى وزحلة، وهما اللتان ترتبطان بخط بياني واحد مع ذاكرة مقاومة الوصاية السورية التي كانت هاتان الدائرتان في طليعة مقاوميها في حقبات المواجهة العسكرية. واثبتت عودة الغالبية الى قوى 14 آذار اهمية الرافعة المسيحية في النبض الاستقلالي.
وما يسجل لمسيحيي 14 آذار في اعادة تثبيت الخط السيادي الى جانب حلفائهم ولا سيما منهم السنة والدروز، لا يسقط لمسيحيي المعارضة احتفاظهم بقوة تمثيلية في دوائر جبل لبنان حصرا مما يعني ان تراجعهم مسيحيا على نحو عام يعود الى السياسات التي يخشى منها على وجهة النظام والارتباطات بمحور اقليمي معين والمغامرة حيال الانفتاح الدولي، في حين ان انفتاح مسيحيي المعارضة على الشيعة تحديدا كان مجزيا لهم حتى في قلب جبل لبنان.
بذلك يكون الانفتاح المسيحي عموما على الطوائف الاسلامية هو المكسب الذي لا يجوز ان يخضع للحسابات الانتخابية وحدها او للمنطق "الاتهامي" بعد انتخابات 2009، بل هو نقطة التقاء جوهرية لصوغ الدور المسيحي المقبل.
وفي صلب المكاسب نفسها، خطّ البطريرك صفير في ندائه الدراماتيكي عشية الانتخابات سقفا تاريخيا جديدا لدور مبدئي جريء لا يأبه الا للاقتناع الوجداني مهما يكن الثمن، كأنه الجراحة القسرية قبل وقوع المحظور.
اما في خانة المحاذير والسلبيات فان المعيار المبدئي والديموقراطي والتمثيلي في الصراع السياسي لا يشكل بطاقة عبور الى استنساخ الانقسام النفسي والمعنوي والعدوانية لدى المسيحيين في مواجهة بعضهم البعض بالوكالة والأصالة عن انفسهم وعن الآخرين. فهزيمة المعارضة يفترض ان تُقرأ من زاوية واحدة هي الكلفة الباهظة التي ترتبت على تحالف العماد ميشال عون مع "حزب الله" ليس كطرف شيعي اطلاقا، بل كقاطرة مثيرة للمخاوف من ارتباطات اقليمية قد تغير وجه لبنان فعلا وسياسات آحادية مدججة بقوة السلاح بعدما وجّه هذا السلاح الى الداخل. وتراجع العماد عون مسيحيا يرتب مراجعة ايضا لأنماط ماكينته وادارة المعركة في استهداف خصومه والمنافسين في استحضار اساليب قلبت ظهر المجن ضد مرشحيه في مناطق ذات حساسية عالية ويحملون رمزيات وخصوصيات تتصل بالهواجس المسيحية الفائقة التوهج، فحصد منافسوه في مواجهته ليس نصرا انتخابيا فحسب، بل ادانة صارمة لهذه الانماط.
في المقابل فان صوت المعركة لدى مسيحيي 14 آذار لا يبرر لهم المضي في استحضار خطاب حربي وشعارات متطرفة باتت لا ترقى الى هذا الزمن ومن شأنها اضفاء مناخ خطر من التطرّف يذكّر بشعارات الحرب الاهلية والانقسامات الطائفية. ومناهضة سياسات "حزب الله" وحلفائه على المستوى السياسي يفترض ان تكون شكلت منتهى رسالتها في صناديق الاقتراع وما بعدها في صوغ السياسات المقبلة للغالبية التي ستكون محكومة بالاطلالة بوجه تغييري على الناس وازماتهم في الدرجة الاولى. ولكن الحق في النصر الديموقراطي الحلال والشرعي يجب ان يتوقف عند حدود هذا المعيار وتاليا تسمية "حزب الله" باسمه وليس بكنية "ولاية الفقيه".