ماذا بعد الانتصار ؟
في الأزمات العاصفة التي كانت تهبُّ من الضفة اليساريّة والخصوم التقليديين في وجه الجنرال شارل ديغول، كان عاشق فرنسا يحرص على تذكير الفرنسيّين بأن الحفاظ على عظمة فرنسا وكبريائها يضاهي أهمّ انتصار سياسي آخر، ويبقى هو الأقل كلفة في النهاية…
لا يحتاج اللبنانيون إلى الجنرال ديغول ليذكّرهم دائماً أن الحفاظ على عظمة لبنان ووحدة الوطن الرسالة يعتبر جوهر الميثاق الوطني والمعنى الأشمل والأبهى للعيش المشترك والصيغة الفريدة.
ويبقى هو الهدف الأسمى الذي من شأنه أن يمنع اللبنانيين من استسهال اللجوء إلى التحارب، والتفرّق، والتمزّق.
وأحياناً كثيرة لأسباب واهية، لا تتعدّى نطاق الصراع على الكراسي، وعلى المكاسب والمسالب.
أو في سبيلها على الأقل، لا في سبيل لبنان، ولا رغبة في الاصلاح والتغيير ومحاربة الفساد. ولفظيّاً. أو خطابيّاً. أو خلال الزجليّات التلفزيونية.
لا، لا يحتاج اللبنانيون إلى التذكير. فها هم القادة الكبار يبادرون من تلقائهم، وفور اعلان نتائج الانتخابات، إلى المناداة بالتهدئة والتعاون والانفتاح، واعلان الاستعداد المتبادل للحوار في سبيل التوافق والخروج من مأزق التعطيل، ولغة التعطيل، وسياسة التعطيل، وعقلية التعطيل.
ولا تزال دعوات الرئيس ميشال سليمان والرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، تلحُّ على الجميع للانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها الانفتاح المتبادل، والبدء بمسيرة الاصلاح والبناء لتركيز أسس الدولة الحديثة.
بل لتأسيس الدولة المفكّكة والمشتّتة.
إن لم يكن للتوافق على انضمام "المتمرّدين" إلى الدولة الأم والتخلّي عن الدويلة بكل ما تعني وترمز اليه، وبكل ما تشكّل من عقبة تعطيلية في طريق عودة الدولة الأم، ودولة المؤسّسات والقانون.
والتجربة الديموقراطية الناجحة التي نالت اعجاب العالم وتقديره، وأعادت الثقة بلبنان وقدرته على النهوض و"الانبعاث" كما كان في زمان الازدهار وزمان الوصل بالاندلس، من شأنها تسهيل مهمة أصدقاء لبنان وأشقائه والتائقين من أبنائه إلى رؤيته وقد تعافى، وتصافى، ورجعت ليالي زمان، ورجعوا أهالينا…
بالطبع، ليس المطلوب من الأكثرية التي عادت أكثرية من جديد أن تتلاشى، أو تتراجع، أو تخضع لمنطق المساومة، أو التسليم بالافتراضات من دون حساب ومن دون مقابل.
إنما المطلوب، والمرتجى، والمنتظر أن تؤدّي رغبة الانفتاح إلى توافق جدّي وصادق ومتين، عنوانه مصلحة لبنان فوق كل مصلحة، ولبنان أولاً، والدولة الأم الجامعة التي ينضوي تحت جناحيها أهل الأكثرية كما أهل الأقليّة.
وعلى اسس تحافظ على مفاهيم الديموقراطية، واللعبة البرلمانية، والتقاليد اللبنانية التي لا تنسى أهمية الحرص على الوحدة الوطنية، وعلى إشعار جميع اللبنانيين أن الدولة دولتهم كلهم، وليس هناك أبناء ست وأبناء جارية.
وبعيداً من روح الثأر، وبمنأى عن الأحقاد والضغائن والمكامن.
يعترف القاصي والداني أن الانتخابات أفرزت رابحين في هذه الجهة وخاسرين في تلك، مثلما يعترفون أن الرابح هو الذي تكون السرايا وجهته وفق الدستور والأعراف، وهذا من تحصيل الحاصل.
إلاّ أنه لا بدّ من تبديد الأجواء المشحونة، ولا بدّ من الانفتاح، ولا بدّ من الحوار، ولا بدّ من حدّ أدنى من التعاون والتفاهم.
في سبيل عظمة لبنان وكبريائه على الأقل.