صحيفة "الجمهورية" تهاجم نصرالله: "العقل المعطل".. والكومنولث الإيراني!
كتبت صحيفة "الجمهورية" المصرية: "المناخ السياسي العربي هو أعجب بيئة ديمقراطية في العالم.. بعض الدول مثل لبنان تجري فيها الانتخابات وتعلن النتائج ثم تفاجأ بالمهزوم يخرج لك من كم قميصه "كارتا" يزعم به أنه فائز.. كان لبنان نموذجاً فريداً في التعايش مع الآخر وقبوله فيما يعرف سياسياً بـ"التوافق".. الصيغة التي يقوم عليها الحكم تعكس إلى حد بعيد هذا المبدأ.. فالرئيس مسيحي ماروني ورئيس الوزراء مسلم سني ورئيس البرلمان شيعي.. لكل طائفة ومذهب تمثيل في لبنان.. ورغم خطورة "التوافق" الذي أدى لحرب أهلية عنيفة إلا انها انتهت باتفاق الطائف برعاية سعودية عام ..1989 ومن وقتها حتى 2006 كان الشد والجذب وشبح الحرب الأهلية حاضراً إلى أن وقعت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج سوريا من لبنان طبقاً لقرارات مجلس الأمن ثم حرب تموز 2006 التي اندلعت بعد خطف حزب الله لجنديين إسرائيليين وانتهاء إلى تحكم كامل للحزب في الحياة السياسية اللبنانية بزعم ان سلاح المقاومة هو الذي حرر الأرض وانتصر على إسرائيل فلا بأس من أن يكون جيشاً موازياً لجيش الدولة وذراعاً لإيران يدعو لها داخل لبنان ويذكر اللبنانيين بفضلها عليهم وأنها عّمرت الجنوب بعد أن دمرته إسرائيل.!
هنا سقط "التوافق" الذي ظل طويلاً عنواناً لتعايش اللبنانيين من مسيحيين ودروز وشيعة وسُنة وطوائف أخرى.. وحل محله الاختراع الذي ورد من الدوحة في اجتماع شهير تم التوصل فيه إلى هذا "الابتكار" الذي ينص على أن الأكثرية لا يمكن أن تصدر قراراً دون موافقة الأقلية من خلال "ثلث معطل" يكون له حق الفيتو على أي قرار.
هذه ليست ديمقراطية.. لكنه اختراع إيراني تم تمريره إلى الدوحة لتصيغه في اتفاق قبلت به الأغلبية في ظروف معينة بعد أن نزل حزب الله إلى وسط بيروت وسيطر على المطار والميناء ومصلحة الهجرة والجوازات بحيث صار قادراً على إصدار جوازات سفر وبطاقات شخصية تحمل شعار الدولة اللبنانية و"بعضها" تم استخدامه في الخلية الإرهابية التي تم ضبطها في مصر مؤخراً.. الثلث المعطل أصبح قادراً على استخدام أدوات الدولة اللبنانية لخدمة أهدافه الخاصة.
إن هذا الثلث المعطل الذي اخترعته إيران وصاغته الدوحة في اتفاق ليظهر وكأنه أحد مظاهر الديمقراطية يجعلني أشبهه بالإنسان الذي خلقه الله على ثلاثة أجزاء فمنحه الجسم أو الجسد والعاطفة أي القلب وميزه بالعقل.. الجسد والقلب موجودان عند سائر المخلوقات لكن العقل أو "الثلث المتبقي" هو القوة المرجحة للإنسان.. هذا الثلث المميز نجد أنه "معطل" لدى كل الحركات الإسلامية في الوطن العربي.. العقل هو المسؤول عن إدارة الإنسان في الاتجاه السليم أو الخاطئ. لذلك نجد أن كل الحركات الإسلامية في الوطن العربي تعتمد على الجسم والعاطفة.. مظاهرات وصراخ.. هتافات باسم الإسلام وأفعال تناقض الدين الحنيف الذي احترم العقل.
الحركات الإسلامية غيبت وعطلت أهم جزء في الإنسان وهو العقل.. والنتيجة واضحة للجميع في المزيد من الخراب والدمار في بيروت وباكستان وأفغانستان وفلسطين والسودان والصومال.
الثلث المعطل هو العقل المعطل.. اختراع سياسي خبيث من إيران أهدته لحزب الله ليقهر به الإجماع على رفضه.. إيران ــ ومعها الإخوان وحماس وحزب الله والعدل والمساواة ــ تريد اختراعاً سياسياً تقهر به الأغلبية.. وتشكل ما يشبه الكومنولث الإيراني في المنطقة.. تكتل سياسي لا يفكر ولا يناقش.. يطيع الأوامر ويقبل الأيادي ويضع صورة الولي الفقيه.. علم إيران أو علم الميلشيات يرتفع في هذه الدولة أو تلك.. كل الجماعات الإسلامية لها علم مستقل عن علم الدولة في إشارة واضحة إلى أن "الميليشيا" قبل الدولة.. والفقيه قبل رئيس الجمهورية.. والمذهبية قبل الأغلبية.
الثلث المعطل ليس مطبقاً في لبنان فقط. وطالما إنه اختراع أصولي إسلامي فستجده في الدول التي كان للإسلاميين رأي فيها.. ففي باكستان تسببت جماعة طالبان في إحراج الحكومة الباكستانية أكثر من مرة في علاقتها مع أميركا.. فقررت إسلام آباد منحهم إقليم "سوات" ليطبقوا فيه الشريعة الإسلامية.. وهو تطبيق جغرافي لنظرية الثلث المعطل.. وهو ما أراد حسن نصر الله أن يطبقه في بيروت الجنوبية ثم حاول ضم بيروت الغربية إليه في انقلاب 7 أيار 2008 الشهير.
الثلث المعطل في البلاد التي تسيطر فيها الأصولية الإسلامية يعطي حقوقاً لمن لا حقوق لهم.. يلغي نتائج الانتخابات لصالح القوة الغاشمة الموجودة علي الأرض.. يعطل العقل أو بمعني أدق يفرغ الديمقراطية من معناها التقليدي المتعارف عليه وهو "حكم الأغلبية".. الثلث المعطل أو العقل المعطل كما أفضل تسميته هو الذي يمكن حزب الله من اجتياح بيروت في أي وقت.. وهو الذي يجعل الدخول والخروج من الضاحية الجنوبية مستحيلاً من دون إذن نصر الله ورجاله.. وفرض علىى السُنة والمسيحيين عدم الدخول إلي هذه المنطقة إلا في حراسة أمنية.
"العقل" المعطل استخدمته طالبان في باكستان.. أقامت به ما يشبه الحكم الذاتي ثم فرضت المحاكم الشرعية ثم تحولت لدولة داخل الدولة.. ثم غزت العاصمة إسلام آباد وها هي تتحول تدريجياً إلى السيطرة على الثلثين الباقيين.. وبهذا يصبح الثلث المعطل مقدمة للاستيلاء على السلطة في دولة نووية إسلامية.. إذا تولى المتطرفون أمرها سيحدث ما لا يحمد عقباه..
في السودان هناك تطبيق آخر لمنهج الثلث المعطل.. هذا المنهج كان واضحا أثناء تظاهرات تأييد الرئيس البشير عند تعرضه لأزمة المحكمة الجنائية الدولية.. المتظاهرون كانوا يرددون هتافا خطيرا لتأييد الرئيس السوداني.. "الشمال عربي إسلامي".. وهو هتاف ضد وحدة السودان.. وظهر أن الدين أهم من الوطن.. والدفاع عن الرئيس يسبق الحفاظ على الجنوب.. فهمت من أزمة البشير أن الحفاظ على وحدة الوطن ليس مهما بقدر الحفاظ على الإسلام.. لو تم انفصال الجنوب فإنه مسيحي لا يهمنا في شيء.. وهذا نموذج آخر للثلث المعطل أو العقل المعطل.
الثلث المعطل أو العقل المعطل ظهر أيضا في فلسطين جغرافيا وسياسيا.. فقد اقتطعت "حماس" غزة من الضفة.. وفي مصر يهدف الإخوان المسلمون إلي تطبيق نظرية العقل المعطل أيضا.. فرغم أنهم أقلية ضئيلة في مجلس الشعب. إلا أنهم يسعون لفرض رأيهم من خلال نقابات وصحف وفضائيات.. من أجل ذلك يطالبون بفتح حوار مع الدولة! مع أن أبجديات السياسة تقول إنه لا حوار إلا بين قوي متكافئة أو حكومة وحدة وطنية.. لكنهم في مصر يريدون إعطاء الإيحاء أن لهم رأيا في إدارة الدولة واقتصادها.. والحوار سيعطيهم حصانة كأنهم شركاء في الحكم ويوفر لهم "منعة" ويسقط عنهم تعبير "الجماعة المحظورة".
.. المحظورة حاولت فرض الثلث المعطل على الدولة إبان أزمة غزة.. وهو في حالتنا معنوي.. أي يمكن فرضه بالأمر الواقع وليس عن طريق الانتخابات.. العقل المعطل أو الثلث المعطل يمكن أن يورطنا في وضع يجعل مصر محاصرة فلا تنمية ولا نمو ولا تقدم اقتصادياً وإنما مظاهرات واحتقان طول الوقت.. القضية الفلسطينية يمكن أن تكون مفتاح الإخوان للثلث المعطل أو العقل المعطل.. وهناك مفتاح آخر طرحه مرشد الإخوان عاكف عندما قال "طظ" في مصر.. هي ليست زلة لسان.. وإنما تعبير عن فكر يرى أنه ليس من الضروري أن يحكم المصريون أنفسهم.
وخلاصة القول إن ما ردده حسن نصرالله عقب خسارته للانتخابات اللبنانية من الممكن أن نشاهده بعد ذلك في الأحزاب الإسلامية العنصرية المتحيزة تحيزا أعمى لإيران.. لبنان يريده نصرالله نواة لكومنولث إيراني يشمل العراق والبحرين وسوريا وفلسطين ودولا أخرى في الخليج بالإضافة لليمن والسودان.
يا شيخ حسن إذا كانت جماعتك تطيعك طاعة عمياء فهذا ليس معناه أن الجمع العربي واللبناني يحمل نفس الفكر الطائفي العنصري الذي كلف لبنان الكثير بشريا واقتصاديا ودوليا حتى أصبحت الدولة اللبنانية هي الحامي الحقيقي لحدود إسرائيل بسببك أنت بعد أن جلبت جيوش العالم تحت علم الأمم المتحدة برا وبحرا وجوا لتتواجد داخل حدود السيادة اللبنانية.
ويبقى أن نهنيء العرب بالفوز على إيران. لكن عليهم من الآن فصاعدا الاحتراس من فخ الثلث المعطل أو العقل المعطل!.