تفاوض جدياً على الحكومة قبل الانتخابات الإيرانية وزيارة ميتشل لدمشق
مرونة داخلية وسورية و"الثلث المعطّل" جوهر المشكلة
حين أعلن الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد قبل اسبوعين من موعد الانتخابات النيابية في لبنان التي جرت في 7 حزيران الجاري ان فوز قوى 8 آذار في هذه الانتخابات سيعزز موقع ايران اقليميا ويقوي المقاومة في لبنان، كان يتكلم على اساس الاقتناع بان الفوز لهذه القوى محسوم وشبه نهائي، على ما كشفت مصادر فرنسية من تأكيدات حملها وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي الى فرنسا في الايام الاخيرة التي سبقت موعد الانتخابات، داعيا المسؤولين الفرنسيين الى حض قوى 14 آذار على المشاركة في حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات.
الا ان السؤال الذي برز بعد صدور نتائج الانتخابات النيابية وتجديد قوى 14 آذار غالبيتها في مجلس النواب المقبل، هو حول تأثير هذه النتائج على موقع ايران اقليميا، وهل ستؤثر في المقابل على الانتخابات الايرانية التي تجرى غدا، بمعنى خسارة نجاد ورقة مهمة، ليس لتعزيز موقعه في هذه الانتخابات وسياسته الاقليمية والتي شمل من ضمنها لبنان فحسب، بل أوراقه التفاوضية حيال الغرب والعرب على حد سواء في ملف ايران النووي وسائر الملفات الاخرى المتعلقة بالمنطقة. والسؤال مبعثه انه اذا كانت الانتخابات ونتائجها في المبدأ موضوع رهان كبير من جانب ايران وربما سواها ايضا لكنها هي كانت اكثر وضوحا في التعبير عنه، فان خسارة هذا الرهان ترتب تبعات لا بد ان تظهر على اكثر من مستوى.
وعلى هذا الاساس باتت الانتخابات الرئاسية الايرانية موضع ترقب انطلاقا من واقع ان الوضع الداخلي في لبنان والمرحلة المقبلة ينتظران بلورة مجموعة مواقف دولية واقليمية قبل ان تتوضح معالم الحكومة المقبلة. ولن تظهر التشنجات او التعقيدات في موضوع الحكومة قبل ان تظهر هذه المواقف. وهناك بعض الوقت المتاح لذلك على رغم ان المرونة التي اظهرها كل من الرئيس نبيه بري و"حزب الله" حتى الآن في رد الفعل على النتائج الانتخابية لا تنفصل في الواقع، بحسب العارفين، عن جملة معطيات اقليمية اخذها الفريقان في الاعتبار مستبقين حليفهم المسيحي في تحديد سقف رد الفعل باعتبارهما معنيين اكثر منه بالوضع الاقليمي وحساباته. فمن جهة هناك اجواء اقليمية غير مؤاتية لمشكلة كبيرة في لبنان قد يتم افتعالها من خلال رفض نتائج الانتخابات او الطعن فيها. وهناك مرونة سورية من جهة أخرى، واستعدادات او تموضع سوري لمرحلة مقبلة مع الولايات المتحدة. ويكفي لقراءة الخط البياني لذلك الرسالة التي وجهتها حركة "حماس" قبل مدة الى الرئيس الاميركي باراك اوباما والتي قرأ فيها معنيون تطوراً ايجابياً كبيراً في موقف الحركة واستعداداتها للتعاون، ثم الموقف الأخير قبل يومين لرئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل، وفحواه انها لن تقف عقبة امام اي تحرك جدي لاقامة دولة فلسطينية على حدود 1967. اضف الى ذلك ان ايران نفسها باتت تتحرك وان على نحو غير مباشر في اتجاه اكثر ليونة، على ما اظهر رد الفعل على وضع جدول اعمال للجنة دولية حول السلاح تمت عرقلته لسنوات طويلة، ولم تبد ايران اي رد فعل سلبي ولا ايجابي ايضاً على الضغط الذي مارسته الولايات المتحدة اخيراً والذي وافقت عليه دول اخرى، مما يعني ان اعادة التموضع الايراني تتم ببطء اذ ان طهران لا يمكن الا ان تلاقي الولايات المتحدة التي استبعدت الخيار العسكري في التعامل معها في المدى المنظور، في منتصف الطريق على الأقل وكذلك سوريا وكل الدول العربية. فحتى اليوم يثني الجميع على مواقف اوباما المبدئية، وخصوصاً الخطاب الذي وجهه الى العالم الاسلامي من مصر في 4 حزيران الجاري على رغم مطالبتهم بالمزيد من الخطوات العملية. لكن المعنيين يلفتون الى تصميم اوباما ونيته المضي قدماً من اجل تحقيق تقدم على مسار السلام في المنطقة بالتزامن مع فتح حوار مع ايران معطوفاً على موقف متشدد ونادر اميركياً من اسرائيل يطالبها بوقف الاستيطان والقبول بحل الدولتين، لا يمكن ان يقابل حتى من الدول على غرار ايران وسوريا بعدم ابداء نية في التعاون مبدئياً.
لذلك فان المزيد من المواقف ينتظر ان تتبلور في الايام المقبلة بين زيارة المبعوث الاميركي لعملية السلام جورج ميتشل لسوريا، وهي الزيارة الأولى لمسؤول اميركي لدمشق بعد الانتخابات اللبنانية بالتزامن مع عدم تسجيل الولايات المتحدة او اي دولة غربية ملاحظات على تدخل سوري في الانتخابات، وبين الانتخابات الايرانية التي تجرى الجمعة ومن شأنها ان تكشف للمراقبين وجود نية لدى ايران التغيير رمزياً ام لا، وما هي حدود هذا التغيير.
من هذه الزاوية يقرأ المعنيون الكلام على تأليف الحكومة كبالون اختبار لرصد ردود الفعل المحتملة وتظهيرها، علماً ان لا مشكلة ينبغي ان تطرح في رأيهم على مستوى رئاسة النائب سعد الحريري للحكومة المقبلة في المبدأ ما دام ملف العلاقات اللبنانية – السورية قد اوكله كل فريق 14 آذار الى رئيس الجمهورية مع توقع سريان الاتفاق غير المعلن في شأن ابقاء وزارتي الدفاع والداخلية في يد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان على غرار ما كان الوضع بالنسبة الى الجمهورية الخامسة في فرنسا حيث كانت وزارتا الخارجية والدفاع بمثابة قطاع محفوظ لرئيس الجمهورية وخصوصاً ان الوضع السابق للرئيس سليمان كقائد للجيش يسمح ببقاء هاتين الوزارتين معه، فضلاً عن النية المعلنة من قوى 14 آذار لدعمه. اما مسألة "الثلث المعطل" فهي الاشكالية الفعلية التي يمكن ان تعرقل تأليف الحكومة في شكل جدي في ضوء الملامح الاولى التي وضعتها قوى المعارضة لموقعها التفاوضي ولاسيما منها "حزب الله".