#adsense

بين “شعب 14 آذار” وجمهور 8 آذار.. فعل ديموقراطية

حجم الخط

أحدهما نام على حرير انتصار "وهمي" .. والآخر جهد ليعبر إلى الدولة
بين "شعب 14 آذار" وجمهور 8 آذار.. فعل ديموقراطية

انتهت العملية الديموقراطية النتي انتظرها اللبنانيون في 7 حزيران. عادت الأكثرية أكثرية ولم تستطع الأقلية إلا أن تحافظ على أقليتها.
في نتائج الانتخابات النيابية أمور عديدة ينبغي التوقف عندها، ولا سيما في انعكاساتها على جمهور الفريقين وقبل ذلك، في الجو العام الذي كان سائداً وتحديداً لدى الجمهور المعارض، وتأثير الثقة الزائدة بالفوز على معنوياتهم بعد أن جرت "الأوراق" كما لا تشتهي "الصناديق".
قبل الدخول في معترك الاستحقاق الانتخابي، ساد لدى 8 آذار جو عام مفاده أن نتيجة الانتخابات محسومة سلفاً لصالحه، وهذا الجو لم يقف عند حدود قيادات هذا الفريق بل تحول إلى الشارع الذي "تلقف" قرار زعمائه المسبق بـ"محسومية" الفوز وبدأ يعد العدة لما بعد 7 حزيران، وأدرك أن هذا اليوم سيكون يوماً "مفصلياً" على الرغم من محاولة قادة 8 آذار التقليل من أهمية هذا الاستحقاق.

أتى اليوم "المنتظر". قرر اللبنانيون بملء إرادتهم التجديد لقوى الاستقلال. كانت الصدمة لدى جمهور 8 آذار مضاعفة، فهم لم يتوقعوا ما حصل، بل إن قادتهم لم يتركوا لهم المجال لأن يضعوا في حساباتهم احتمال الخسارة، فترى الجماهير الـ"8 آذارية" اليوم في حال من الدهشة والعتب في نفس الوقت.

أوساط هذا الفريق تتحدث عن "خديعة" مورست بحقهم. ناموا على حرير الانتصار المضمون والوعود بمرحلة سياسية جديدة يكونون هم الحكم والحاكم.. فبدأوا يتحضرون لسياسة جديدة، يغيب عنها الشارع ويُفتقد فيها للمخيمات والاعتصامات وقطع الطرق وحرق الدواليب، لأنهم سيكونون هم الموالاة، وبالتالي لا معارضة بعد اليوم بالشكل الذي كانت عليه في السابق.

"الانتكاسة"

إذاً، أُدخلت جماهير 8 آذار في ذهنية "حكم الأكثرية"، وإذ بنتائج الانتخابات تخيب أمالهم، واليوم بعد أيام على هذه "الانتكاسة"، تنشغل أوساط هذا الفريق في محاولة تبرير "انعدام الدقة بحساباتهم" وتخفيف وطأة "الخسارة" وإبعاد الروح الانهزامية عن صفوف جماهيرهم، تارة عبر إشاعة جو مفاده أن "الفريق الآخر" مارس الكثير من الضغط وأتى بالمغتربين وحشد كثيراً للاستحقاق، وتارة أخرى بانتقاد "بعض حلفائهم" الذين لم يكونوا على قدر المسؤولية المطلوبة في التعامل بالشكل المطلوب مع يوم 7 حزيران.

إلا أن جمهور 8 آذار، يبدي رداً على محاولة "تبرير الهزيمة"، نوعاً من الواقعية والحس بالمسؤولية، ويردد في داخله أن كل هذه المحاولات لا تعدو كونها عملية استباقية لتلافي ردة فعلهم، ويدركون جيداً أن الكلام عن حشد وعن مغتربين هو بعيد كل البعد عن الواقع والحقيقة، حيث انهم يعلمون تماماً أنه كما حضّرت 14 آذار جيداً لهذا الاستحقاق، فإن قادتهم فعلوا الأمر نفسه، حيث سادت منذ فترة ليست بقليلة سبقت الاستحقاق، حالة من الاستنفار داخل فريقهم، وتمحور العمل اللوجستي لديهم على استقدام المغتربين من الخارج وخاصة في الدوائر الحساسة والتي ستشهد معارك "ضارية" بين الطرفين، ورب سائل في هذا الجمهور العريض، عن محاولة تعمية الرأي العام داخل "المعارضة" وهم الذين واكبوا جيداً التحضير للمعركة؟ وهل أصبح من الجائز بعد اليوم أن تستمر الوعود حبراً على ورق؟ وكيف لقادة المعارضة أن يطالبوا جمهورهم بالوفاء، وغالباً ما خذلوه في محطات عديدة خلال السنوات الأربع الماضية؟ وإلى متى سيستمر نهج التحدي الذي لا مكان فيه لكسب الرهان؟

الاعتراف بالخطأ

أسئلة ترسمها شريحة كبيرة من جمهور المعارضة، ولا تجد من يقدم لها جواباً مقنعاً أو فيه القليل من الواقعية، وتتساءل فيما بينها، هل هناك من يتجرأ على الاعتراف بالخطأ؟
في مقابل هذا الجمهور الخائب من ممارسة قادته ومن "الهزيمة"، هناك شعب برمته، هو شعب 14 آذار، كسب الرهان، ليس فقط لأنه كان واثقاً من إدارة قادته للمعركة الانتخابية، بل لأنه لم ينتظر من يدير له "معركة وجودية"، بل اندفع من تلقاء نفسه للدفاع عن مبادئ قدم الكثير في سبيلها، وتحول من مجرد متلقٍ إلى صانع للقرار ومدافع عنه ومقاتل لتحقيقه.

تدرك أوساط 14 آذار جيداً أنها أخطأت في الكثير من المحطات في إدارة المعركة الانتخابية، ولكنها في نفس الوقت نجحت في الرهان على وعي جمهورها، وهي التي اختبرت هذا الجمهور في العديد من المحطات، وكان خلالها متقدماً عليها في شعاراته الاستقلالية وفي إدراكه لأهمية كل مرحلة من المراحل التي تتطلب حضوره وتفضيله لمصلحة الوطن على المصالح الشخصية التي غالباً ما يكون لها الدور في تعكير الأجواء إلا أنها لا تنجح في تضييع بوصلة هذا الجمهور التواق إلى الحرية.

وعلى الرغم من الدور الذي لعبه الفريق الآخر أي 8 آذار، في شد عصب الجماهير الاستقلالية نتيجة ممارساته "المقلقة"، والتي كانت تهدد في بعض الأحيان مسيرة "السيادة" التي رسمها الاذاريون في الـ2005، تعترف قيادات 14 آذار لهذا الجمهور بحرصه على "الثورة" واستمراريتها، واستعداده للدفاع عنها في كل حين.

اليوم، بعد أن تحقق الفوز المنتظر، وبعد أن عادت الأكثرية إلى موقعها الطبيعي واطمأن الجمهور الاستقلالي على مسيرة السيادة، تسود في أروقة 14 آذار حالة من الاعتراف لهذا الشعب بحرصه على التصدي لكل أشكال الانقلاب على الدولة والوطن، وديموقراطيته في التعاطي مع كل الاستحقاقات بشكل سلمي وحضاري، يعبر عن طموحات غالبية من اللبنانيين.

أما الفارق بين جمهور 14 آذار وجمهور 8 آذار، فهو ليس ببسيط، فالثاني اتكل على وعود قيادية إن لم تكن "إلهية" كالعادة، ووعد بالنصر من دون العمل لأجله، أما الأول فلم ينتظر لا وعود ولا غيرها ليتحرك من أجل تحقيق الفوز، فهو لا يطمح لأن يبقى في السلطة باعتبارها طريقاً للحكم، بل سعى من أجل تحقيق أكثرية تضمن عدم العودة إلى الوراء في رحلة تثبيت الاستقلال وتكريس مرحلة جديدة فرضها بتضحياته للعبور إلى الدولة التي يمكنها أن تحقق له طموحاته وتطلعاته.

جمهور 8 آذار أراد النصر وسلّم بحتمية تحقيقه قبل المعركة، لأنه في مكان ما يريد أن يخلي الساحة لنفسه، لوطن لا يتسع في نظره سوى لمن يؤيد طروحات أحزابه وقياداته، أما من يؤيد ويؤمن بنهج 14 آذار، فهو عمل جاهداً لنصر يؤمن حياة حرة واستمرارية في شق وتثبيبت طريق التحرر الحقيقي والحرية التي تعترف بالآخر ولا تلغيه وتسعى بكل ما تملكه إلى تثبيت واقع الانفتاح والحوار على الجميع، من أجل وطن للجميع.
ليس مقبولاً لدى 8 آذار طريقة التعاطي التي تظهره قيادات هذا الفريق مع جمهورها، فيما لا تنتظر جماهير 14 آذار أي شيء من قياداتها سوى الوحدة، وتترك لنفسها مساحة التحرك لتثبيت طروحاتها الاستقلالية بعيداً عن إشارة من هنا أو تعليمة من هناك.
في الفارق بين جمهور 14 آذار و8 آذار، فعل ديموقراطية وتحرر كرسته صناديق الاقتراع في 7 حزيران.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل