#adsense

فقط… “حلّوا عن ربّه”!

حجم الخط

فقط… "حلّوا عن ربّه"!

لم يكن لبنان ضائعا فوجد، ولا كان ميتا فولد، او زائلا فصمد. كان لبنان دائما موجودا وسيبقى. ولكن ثمة من حاول ان يلغيه اولا، ثم ان يشل ارادته ثانيا، ثم ان يغير هويته ويبدل اصطفافه ويغير من طبيعته كديموقراطية برلمانية حرة لها قرارها وخيارها بعيدا من المحاور والصراعات والاصطفافات، ومن قبول دور الساحة بدلا من دور الوطن ذي السيادة.

لماذا هذا الكلام؟
لسبب بسيط لكنه جوهري، وهو يتمثل في امرين:
* أولاً: هذا السيل من برقيات التهنئة والاشادة والترحيب والاعراب عن الارتياح، وقد انصبَّ على المسؤولين وقادة تجمع 14 آذار، وخصوصا الرئيس ميشال سليمان والنائب سعد الحريري، بما يساعد على الافتراض ان ما حصل من انتصار راجح للاكثرية في الانتخابات انما شكل مفاجأة لم تكن في الحسبان في عواصم كثيرة، وهذا امر يجافي المنطق والرؤية الواقعية لموازين القوى في لبنان، وهو ايضا امر سلبي من الناحية السيكولوجية على الاقل عند المبرقين والمهنئين الذين ربما وصلت بهم الحسابات الخاطئة الى الافتراض ان لبنان فقد مناعته كدولة وان غالبية اللبنانيين صاروا يريدون وطنهم مجرد حلقة في المحور الاقليمي الذي ينازع الغرب واميركا.

* ثانياً: هذا الاستعجال في التحليلات والتعليقات التي تنشر في الصحف الغربية وخصوصا الاميركية، والتي تتضمن قراءات لنتائج الانتخابات وفوز قوى الاكثرية، مبنية على فرضيات نمطية وغير سليمة، وايضا على تسليم سيكولوجي متسرع بأن لبنان هو مجرد حلقة في المحور الاميركي الذي طالما انحاز الى العدو الاسرائيلي والذي ينخرط في صراع ضد ايران وطموحاتها النووية والاقليمية.

في هذا السياق ليس صحيحا ما كتبه مثلا سايمون تيسدال في صحيفة The Guardian البريطانية من ان لبنان منح باراك أوباما اول نجاح سياسي مهم في المنطقة. وليس صحيحا ما قاله مايكل سلاكمان في صحيفة New york Times من ان هذه هي رياح أوباما!!
لا، ليس صحيحا على الاطلاق، لأن اللبنانيين صوتوا للشعارات التي رفعتها الحملة الانتخابية عن سيادة لبنان وحريته واستقلاله وهي الاهداف الوطنية الراقية والنبيلة التي رفعتها قيادات 14 آذار وسارع سعد الحريري الى ربطها بحقيقة ازلية هي انها مثل "السما الزرقا".

ليس مقبولا توظيف الانتصار الباهر في سياق السياسة الغربية وخصوصا الاميركية واهدافها في المنطقة والتي يعترض عليها جزء كبير من اللبنانيين، وهؤلاء سيجدون حتما في التحليلات المذكورة ذخيرة مؤاتية لمحاولات تشويه معاني الانتصار واعطائه ابعادا مغلوطة، بينما يشكل هو تعبيرا صريحا وواضحا وعظيما عن ارادة الشعب، اكثرية هذا الشعب، واصراره على وطن حر سيد مستقل وموحد، يشكل نموذجا فذا للتعايش بين الاديان في زمن تجهد الصهيونية للدفع في اتجاه صراع الحضارات ووضع الغرب المسيحي في مواجهة الاسلام.

***
بالتأكيد تنبع المخاوف والمحاذير التي تكمن وراء برقيات الاغتباط بانتصار 14 آذار ، ووراء التعليقات المبالغة في محاولات اضفاء الارتياح الاميركي والغربي على مسببات هذا الانتصار، من افتراضات سبقت الانتخابات وكانت تحسب ان لبنان سيسقط اخيرا كثمرة منهكة في المحور الايراني – السوري !

هذا الامر كان في الاحتمالات المطروحة عند المعارضين وجماعة 8 آذار، ويكفي هنا ان نتذكر تصريحات محمود احمدي نجاد الذي قال إن انتصار المعارضة سيعمم المقاومة ويغير وجه المنطقة.
وهذا الامر ايضا كان في المخاوف المشروعة عند الاكثرية التي ذاقت الامرّين ودفعت دفعا الى التعطيل والفشل منذ عام 2005 عبر شل الحكومة والتهديدات ثم الاعتصامات والاجتياح المسلح لبيروت والثلث المعطل.

اضافة الى كلام نجاد، ليس سراً ان وزير خارجيته منوشهر متكي، الذي زار باريس قبل ايام، لم يتردد في دعوة المسؤولين الفرنسيين الى الاستعداد للتعاطي بايجابية مع تجمع 8 آذار الذي يقوده "حزب الله" لانه "سينجح حتما" في الانتخابات (!) وقد اتصلت باريس ببعض العواصم ومنها واشنطن بهدف خلق اجواء تقبل بالتعاون مع المعارضة "المنتصرة حتما"!

هذا الجو لم يقتصر على الخارج، بل ان تجمع 8 آذار كان يفترض ان النجاح سيكون حليفه وقد اعلن ذلك جازما ومؤكدا واعدَّ برنامجا ضخما لاحتفالات كانت ستجوب كل المناطق اللبنانية !

ولكن لبنان هو الذي فاز و"السما زرقا". لبنان الذي لا يطلب من الاميركيين والايرانيين والسوريين والعالم اجمعين سوى ان "يحلّوا عن ربه"، وان يتركوه يتنفس الصعداء بعد كل ما تعرض له من التنكيل والجرائم والمآسي والحروب المفروضة عليه.

واللبنانيون هم الذين انتصروا، فلا رياح أوباما عصفت، ولا رياح طهران انكفأت. والامر، على اهميته، ليس مفاجئا. فلبنان لم يكن ضائعا فوجد، ولا ميتا فولد، ولا زائلا فصمد. لبنان كان ممسوكا من عنقه ليختنق، وهو الآن منكب على تحطيم ثلاثة عقود من الاغلال التي كبلته ولن تقوى عليه رياح الجحيم !

المصدر:
النهار

خبر عاجل