على ايقاع يا «غيرة الدين» سيطرة حريرية على صيدا تنتظر انتخابات البلدية العام المقبل
ايلي سكاف ذهب «فرق عملة» في صراع الموارنة على ارض كاثوليكية في مدينة زحلة عاصمة البقاع
هل باعت ماكينة اللائحة الشعبية نفسها للشيطان؟ واجتماع جعجع مع المطران حداد قلب الموازين
اثارت نتائج قضاءي صيدا وزحلة دهشة المراقبين، وما زاد من دهشتهم هو في قراءة الارقام، واتساع الفروقات، بحيث تحوّل الفوز الى انتصار ساحق، ولوائح 14 آذار في كلا المدينتين فازت بأكملها، وسجلت الاكثرية هدفاً مؤلما في مرمى المعارضة.
ولا يزال اختصاصيو الاحصاءات الذين ملأوا الشاشات و«فلقونا» في الآونة الاخيرة، يفتشون عن الاسباب الوجيهة وعن الحجج الدامغة، ولو لاقناع السذج عن اسباب هذا الفارق الكبير ولماذا سقط المرشحون الذين «تنبأوا» بنجاحهم.
ففي صيدا، بوابة الجنوب وعاصمته قال الصيداويون لا كبيرة، بعدما تعذر عليهم قولها سابقاً، فاقترعوا جماعات جماعات، كالالوية في جيش السنة، نظام والتزام بفؤاد وبهية، وفي قراءة اولية اعتبر المراقبون ان النتيجة التي حفلت بانتصار كبير وبأصوات مضاعفة هي تعبير الصيداويين عن محبتهم لابن المدينة الشهيد رفيق الحريري واضاف المراقبون ان صيدا لم تمارس حقها الانتخابي في السابق بعد اقرار الطائف، بل غرق صوتها السني في بحر الجنوب الهادر، لذا ارادت ان تظهر لشهيدها كل التأييد، بعدما منع قانون المحافظة العام 2005 عنها ذلك، وفرض عليها ائتلافاً لم ترفضه.
ويعتبر المراقبون ان صيدا شاهدت ما يجري لبيروت في 7 ايار، فاكتفت بالمراقبة نتيجة علاقاتها مع الجوار لكنها وجدت الفرصة سانحة في انتخابات الامس حتى تنتقم، فدفع النائب اسامة سعد الاثمان الباهظة مع فارق في الارقام لم تشهد المدينة له مثيلاً، ففي عزّ معارك الشهيد معروف سعد والمرحوم نزيه البزري كان فارق الارقام ضئيلاً لا يتعدى المئات.
فالهزيمة التي الحقها الناخب الصيداوي بتحالف سعد – البزري ستستمر مفاعيلها لتجتاح رئاسة البلدية في العام 2010، وستبقي السيطرة الحريرية على المدينة لزمن طويل.
وسيصعب كثيراً على النائب سعد تسويق مشروعه وشعاراته داخل المدينة، فالحروب المذهبية قضت على شعار المقاومة واهل السنّة مصرّون ان مذهب المقاومة هو الذي «اجتاح» عاصمتهم بيروت وفي المقابل عانى كثيراً تحالف سعد – البزري من اقناع الناخب الصيداوي بأن الاعتدال هو السبيل الوحيد لمعالجة الحروب المذهبية.
اذاً صيدا لم تحتج كثيرا الى مجنسين للمشاركة في الانتخابات، واذا حضر المال في المعركة فانه لزوم ما لا يلزم، واذا توافد الصيداويون من دنيا الاغتراب فانهم لن يضيفوا اية قيمة للاعداد، فالنتائج كانت معروفة في اذهان الصيداويين، لان يا «غيرة الدين» هي الشعار الغالب في مدينة بوابة الجنوب وعاصمته.
اما نتائج زحلة فلها شأن آخر، بحيث لم يستطع رجال «جدعون» الذين تباهى بهم الجنرال عون من ايصال لائحة الكتلة الشعبية، فالمبارزة التي خاضها سمير جعجع وأمين الجميّل مع ميشال عون في مدينة الاسود تحوّلت الى مجزرة دفع أثمانها المؤلمة الوزير ايلي سكاف.
هذه المدينة لم تخذل يوماً آل سكاف، ففي زمن الوالد الراحل جوزيف، وحده تحالف عظيم بدأ في لبنان ووصل الى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في العام 1968، استطاع اسقاط النائب جوزيف سكاف.
واليوم فان الوزير سكاف ذهب «فرق عملة» صراع الموارنة على ارض كاثوليكية، فالوزير الذي استطاع ان يسلك بين النقاط في عنجر، وعرف جيداً مسالكها الوعرة واستطاع تمرير لوائحه دائماً في ذلك الزمن من «حواضر البيت» وتمنيات الاشقاء، فان الوزير هذه المرة اسقطه صراع الجبابرة، وهو الذي اسقط باستمرار خصومه وان وصل مجدهم وعزهم الى قصر بعبدا.
والسؤال اليوم: من هو الذي استطاع المسّ بالهيبة السكافية؟ وهل صحيح ان حرباً كونية خيضت ضد آل سكاف؟ للاجابة عن هذين السؤالين – تفيد الاوساط المطلعة – ان على الوزير سكاف سؤال اعضاء ماكينته الانتخابية، لماذا غاب بعض المندوبين عن بعض أقلام المدينة؟ ولماذا غاب البعض ايضاً من بعض القرى السنية؟ والسؤال الذي يتردد بقوة في عاصمة البقاع: هل صحيح انهم باعوا أنفسهم للشيطان؟ تاركين تدبير الاحوال للقدر.
وتقول الاوساط المطلعة ان الاقبال الماروني الكثيف على الاقتراع هو الذي دوّخ الوزير سكاف خصوصاً انه جاء في غير مصلحة لائحته، واعتبرت نسبة الاقتراع الماروني هي الاعلى في تاريخ المدينة، وفي ظل تسجيل ارقام عالية لفريق 14 آذار في الأقلام السنية، ظهر واضحاً الإحجام الكاثوليكي عن المشاركة، فسجلت الاكثرية تفوّقاً في الصناديق المسيحية.
هذا الفارق شكّل بداية الهزيمة، خلافاً لما ذكرته سهرة المؤسسة اللبنانية للارسال في ليلة الفرز الطويلة بأن الصوت السني كان العامل الأساس في فوز لائحة الأكثرية، علماً ان الأركان في لائحة الكتلة الشعبية شعروا بأن الهزيمة ستحلّ، خصوصاً ان ماكينة حزب الله أبلغت سابقاً تقديراتها الأولية بأنه في غير صالح اللائحة.
عندها بدأ الجميع بالاهتمام لخرق يحدثه سكاف، لكن القطار كان قد فات الجميع مع وصول الأخبار عن الحشود السنية التي شاركت، فاعتبر الجميع في لائحة سكاف ان المحظور قد وقع.
وتعدّد الاوساط المطلعة عدداً من الأخطاء التي ارتكبها الوزير سكاف ومنها أنه أخطأ في تسمية بعض المرشحين، وان اصراره على بقاء اللائحة كما هي ومحاولته إتهام الخصوم ان «الأمر لي» في زحلة كان خطأ، لأن الضيوف الذين توافدوا الى المدينة وأقاموا فيها المهرجانات، اعتبر سكاف ان هزيمتهم ستكون سهلة، كذلك ارتكب سكاف خطأ آخر في تأخير إعلان لائحته وفي تسمية المرشح السني فيها، فيما لائحة الخصوم اكتملت وضمت الحزبيين والعائلات.
وتضيف الأوساط المطلعة ان سكاف تجاهل كثيراً الاجتماع الذي ضمّ الدكتور جعجع مع المطران اندريه حداد، وفيه تمّ الاعتذار والدعم المتبادل وتسمية المرشحين والاتفاق على دعم المرشح عجاج حداد في جزين وضمه الى لائحة الأكثرية، علما ان عجاج هو ابن شقيق المطران.
هذا الإجتماع لعب دوراً بارزاً في معركة زحلة، فيما سكاف أغمض عينيه وصمّ الآذان عنه، ولم يحرك ساكناً في مواجهته، بل ان منسوب الثقة بالنفس كان مرتفعاً، تماماً كما كان مرتفعاً لدى الجنرال عون أثناء تأليف لائحة كسروان، ولولا عناية الصناديق والأقلام في كفرذبيان وغزير لكانت كارثة زحلة حلّت في كسروان.
وفي النهاية، يبقى السؤال المشترك في كلا القضاءين: هل استطاعت صيدا بوابة الجنوب المقاوم ان تسجل فوزاً للأكثرية ليعيد اليها بعض التوازن الذي غاب مؤخرا، وهل انتصار زحلة الذي تحقق يعيد للبعض تعويضاً عن هزيمة العام 2005، وللبعض الآخر تعويضاً عن خيبات معارك زحلة في العام 1981؟