تحت لواء الدولة
تحوّل السابع من حزيران 2009 إلى يوم مجيد في تاريخ لبنان الحديث، ليس من ناحية النتائج التي حددتها صناديق الاقتراع، بل من ناحية نجاح اللبنانيين، من دون استثناء، شعباً ومؤسسات رسمية وعسكرية في ممارسة حقهم الديمقراطي بمنتهى الرقي والحضارة، والأهم تقبل هذه النتائج بالشكل السلمي الذي شهدناه من دون تسجيل اية خروقات أمنية تذكر، حيث حلت لغة العقل والانفتاح مكان لغة العنف والانغلاق بوجه الآخر.
لقد تنفس لبنان، وسائر محبيه في مختلف الأقطار، الصعداء بعدما خابت آمال العدو بوقوع انقسامات حادّة تؤدي إلى عدم الاعتراف بالنتائج الرسمية وما يمكن ان يجر معه من فوضى سياسية وانفلات أمني يعيد الوطن إلى شفير هاوية الاقتتال الأهلي.
لقد استغلت الموالاة والمعارضة الانفراجات الإقليمية والدولية لتترجمها انفتاحاً على الآخر في الساحة المحلية، حيث يُستبدل الخطاب المتشنج والتهديد والوعيد بحوار عقلاني يُترجم بمد جسور التعاون بين الفريقين لتحقيق مصلحة الوطن والمواطن العليا، بدءاً بالاعتراف بالأكثرية وما تمثله على الأرض مروراً بانتخاب رئيس مجلس نواب يحمي المؤسسة التشريعية من التجاذبات الخارجية ويطوّر عملها بشكل فعّال وصولاً إلى تسمية رئيس الحكومة العتيدة والاتفاق على تشكيل الحكومة، بكل ما يحمل هذا الملف في طياته من توازنات وحسابات ممكن أن تشكل عقدة يتم تجاوزها فقط بالتوافق بين الموالاة والمعارضة على الخطوط العريضة والآلية المتبعة لاطلاق عملية التشكيل وبالتالي عجلة العهد نحو دعم دولة المؤسسات وإتمام الإصلاحات الضرورية.
بعد تجاوز قطوع الانتخابات وردود الفعل الأولية لنتائجها، يبقى التحدي الأكبر أمام القيادات بالدرجة الأولى في استغلال الهدوء الإقليمي وعودة الحرارة إلى خطوط الاتصال العربية – العربية والعربية – الغربية بعد طول انقطاع لينعكس إيجاباً على الساحة المحلية، فيكون فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي وتحصينه أمام اية متغيرات خارجية سلبية، حفاظاً على السلم الأهلي ووحدة الوطن، بعيداً عن منطق العنف والابتزاز السياسي واستخدام الشارع لتحقيق المصالح الحزبية الضيّقة.
لقد آن الأوان للبنانيين لطي صفحة سوداء دامت أربع سنوات ليتذوقوا طعم التقارب والانفتاح وقبول الآخر، لا بل والتعاون معه إحقاقاً لمصلحة الوطن العليا تحت مظلة الدولة الضامنة أولاً وأخيراً، حيث المقاومة وسلاحها تكون نقطة جامعة للشارع لا عامل تقسيم وخلاف، في وطن متجانس مع محيطه من دون أن يذوب فيه، فإذا دخلت المنطقة في مشروع شامل للسلام يكون لبنان جزءاً منه، وإذا فشلت المحاولات الأميركية والغربية عامة في إحياء وإنجاح هذا السلام، يكون لبنان أيضاً على أهبة الدفاع عن شعبه وأراضيه، حيث يتحوّل شعبه كله بلا استثناء إلى مقاومة في وجه العدو، ولكن…تحت لواء الدولة وشرعيتها.