لأن الانفتاح والتعاون لا يلغيان محاذير تكرار التجربة السابقة
تمايز المواقف من رئاسة المجلس يثير تساؤلات مبكرة
اظهرت قوى 14 آذار بعد صدور نتائج الانتخابات النيابية، رغبة قوية في طي المرحلة السابقة وبدء مرحلة جديدة لقيت تجاوبا من بعض اركان قوى 8 آذار في المبدأ وفق عدد من المواقف المعلنة . لكن الغالبية النيابية المتجددة بدأت تُظهر، اياما بعد هذه النتائج، تناقضا ان لم يكن اختلافا في المواقف في ما بينها، ابرزته على نحو خاص المواقف من اعادة انتخاب الرئيس نبيه بري لرئاسة مجلس النواب، وبدا اركان في هذه القوى في مكان واركان آخرون فضلا عن نواب منتخبين مجددا في مكان آخر، من خلال المطالبة بضمانات تتعلق برئاسة المجلس وعدم اعتماد الرئيس بري الاداء نفسه الذي اعتمده سابقا باقفاله البرلمان مدة تزيد على عامين وكل التبعات التي ترتبت على ذلك. وخصوصا ان هذا الاقفال شكّل سابقة تاريخية يمكن ان تعتمد لدى حصول اي ازمة كبيرة أخرى. وان الانفتاح والرغبة في التعاون لا يلغيان ضرورة الحصول على ضمانات بعدم تكرار اللعبة السياسية السابقة، خصوصا ان امرين اثارا "نقزة" فورية لدى بعضهم: اولهما التمييز الذي اجراه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في موضوع الغالبية واصراره على ان فريق المعارضة حظي بالغالبية الشعبية في حين ان قوى 14 اذار فازت بالغالبية النيابية، الامر الذي يوحي إمراره ورقة او قطبة عمدا من اجل السعي الى استخدامها في وقت لاحق وليس لمجرد تبرير عدم الفوز في الانتخابات النيابية، علما ان موضوع التمييز بين الغالبيات والحديث عن غالبية وهمية واخرى حقيقية الذي استخدمته قوى 8 اذار في الاعوام الاربعة الماضية منع غالبية 14 اذار من الحكم بين 2005 و2009. وهذا الموقف استفز عددا من القواعد التي يمكن ألا تتساهل مع زعمائها او قادتها في حال لاحظت جنوحا عن مسائل مبدئية، والامر الآخر يتعلق بالشروط التي بدأ زعيم "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون طرحها للتعاون او المشاركة في الحكومة على نحو يستعيد الى حد بعيد صورة ما حصل قبل انسحاب الوزراء الشيعة من الحكومة عام 2005 وبالخطاب نفسه من دون اي تغيير، على رغم ان الانتخابات ونتائجها كان يجب ان تحدث تقويما يظهر امكان إجراء تعديلات على اداء لم يعد يحظى بالشعبية السابقة .
وثمة في صفوف 14 اذار من يخشى ان يحصل تساهل في موضوع رئاسة مجلس النواب بمساهمة كبيرة من قوى الغالبية في اعادة انتخاب الرئيس بري لرئاسة المجلس، على ان تبرز العراقيل في وجه تسمية الرئيس العتيد للحكومة فور التسليم بهذا الانتخاب ومن ثم في تشكيل الحكومة. وفي المنطق الذي يراه هؤلاء انه اذا كان سيحصل كباش فعلي بالاستناد الى بعض المؤشرات فلماذا يجب ان يكون على رئاسة الحكومة ولا يحصل قبلا على رئاسة مجلس النواب؟ وما الذي يمنع ان تتعقد الامور بعد 20 حزيران، اي بعد بدء ولاية المجلس الجديد وانتخاب بري رئيسا له مجددا على اساس ان ما أُخذ قد أُخذ وتعود المساومات من جديد لتؤخر بت رئاسة الحكومة وتشكيلها ايضا؟ فالمواقف المرنة والمنفتحة لا تلغي وجود لعبة سياسية اقطابها محليون ولديهم حسابات معينة يريدون من خلالها تعزيز مواقعهم، وفق ما اعلن العماد عون حتى اليوم؟ وهناك مصالح مباشرة وغير مباشرة لافرقاء اقليميين، ما عبر عنها حتى الان نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد الذي حدد معايير او شروطاً للتعامل السوري مع الحكومة المقبلة، بحيث يكون التعاون في موقع لا يلغي احتمال احتدام الخلاف على مواقع اخرى نتيجة الحسابات المحلية والشروط الاقليمية بالاضافة الى احتمال بروز تعقيدات اقليمية في مكان ما ربما تنعكس سلبا على ما هو مسلّم به او يفترض ان يكون مسلّما به في المبدأ.
وبحسب بعض المراقبين المعنيين، فان اختلاف الخطاب في نقاط مهمة لا يقع في باب لعبة الصقور والحمائم لدى قوى 14 اذار بل في باب التمايز في الرأي، وربما ايضا في باب عدم التنسيق والتشاور في الغالب وصدور غالبية المواقف حتى اليوم من موقع شخصي اكثر منه من موقف عام لهذه القوى او تعبيرا عنها. وقد يكون هذا الامر مبررا في الايام التي تلت الانتخابات على الفور، خصوصا ان نتائجها قلبت كل التوقعات المحلية وغير المحلية واحدثت صدمة لم تخرج بعد المعارضة من آثارها وان أظهر بعض اركانها استيعابا فوريا لها، ولكن يحكمها، كما يحكم الكثير من مواقف الغالبية ايضا، الانفعال بالفوز او بالخسارة. ويحتاج الجميع الى ايام اضافية لاستيعاب المشهد ككل، والخروج من الانفعالات الى التفكير والحسابات المنطقية. لذلك يقع على قوى 14 اذار الا تكرر بعد الانتخابات بعض الاداء الذي اضعفها كثيرا في المرحلة الماضية، وادى الى تعميم توقعات بعدم الفوز في الانتخابات على نحو مسبق،: لان من حق الناس الذين جددوا للغالبية في السلطة الحصول على مراعاة للمبادئ التي دافعوا عنها وصوتوا لها من جهة، واحترام عقولهم في شرح اي خيارات سيتم العمل بها في المرحلة المقبلة من جهة اخرى. وبعض المشهد العام يجب ان يصب في هذا الاطار كما بعض التفاصيل ايضا.