تجديد التوافق بالديموقراطية
على امتداد العقود السابقة، خبرنا وعلمنا، انه كلّما تراجعت الديموقراطية، تهدّد البلد، والكيان والدولة والاقتصاد والحكم والسيادة والاستقلال، وتفسخت العُرى وتسرب من له أن يتسرب عبر هذه الشقوق من احتلالات ووصايات متتابعة وملونة ومن حروب ومجازر وعنف وارتهان…
كأنما الديموقراطية وإن لم تكن "مثالية" عندنا، او كاملة (وهي حُلم دائم)، هي صَمّام الأمان لوجود الناس وبناء تاريخهم وثقافتهم وحريتهم وبلدهم.
وكلنا يعرف ان أول ما كان يعمد الى ارتكابه الطامعون في بلدنا، تهشيم الديموقراطية، لكي يتسنى لهم تهشيم كل شيء.
هذه الديموقراطية اللبنانية بامتياز، بشوائبها وتراكيبها عادت. وها هي تجدد عودتها، في الاستحقاق الانتخابي الثاني بعد انسحاب الوصاية، والأول في عهد الرئيس ميشال سليمان، ونظن ان فوز الاستقلاليين في الأولى، مهّد أولاً لاجرائها في الثانية، ولتجديد فوز 14 آذار…
ولولا هذا العامل التاريخي لبقيت البلاد في قبضة نظام أمني متخلف وجامح وقامع ومتواطئ وتابع، وعندما نتحدث عن العوامل المؤثرة لا بدّ من التوقف (ولو بدموع مشرقة) عند الشهيد الكبير الرئيس الحريري الذي اضاء استشهاده درب الاستقلال، وأكمله دم الشهداء الآخرين من ثورة الأرز من سمير قصير الى جورج حاوي (أبي المقاومة الوطنية) فالى جبران تويني، ووليد عيدو وانطوان غانم وبيار امين الجميل ، من دون ان ننسى "رُوّاد" الشهادة السابقين. من هؤلاء تأسست ارادة شعبية جديدة مليونية، هي التي حمت بيقظتها ووعيها وشغفها ذكرى الشهداء واستحقاقات الديموقراطية. وهي التي حمت، ثورة الأرز، على الرغم من كل المخاطر والتهديدات والتهاويل وعمليات الترويع التي حاصرتها.
هذه الجموع المليونية التي كانت تعبيراً عن تعزيز حضور المجتمع المدني وادواته وآفاقه، وتكريساً لانجازات 14 آذار هي التي حافظت بشفافية وبقدرة سلمية فائقة على مجرى الانتخابات الأولى والثانية اليوم. كأنما انتفضت على انتفاضتها قبل 4 سنوات. كأنها تفوقت على نفسها في هذا الاستحقاق الحاسم الذي طرح فيها بعض قضايا من شأنها ان تمس وجود البلد نفسه والديموقراطية وملامح هذا "اللبنان" المختلف عن كثير من جواره.
بل نقول اكثر: عندما كان لبعض افرقاء 14 آذار ان يتنازعوا في الأحجام.. والحصص وكادوا يهددون انسجامهم، كانت هذه الجموع فوق "خلافاتهم " التفصيلية؛ كانت في اعلى قمة من وطنيتها ومن شغفها ومن ايمانها، بمستقبل البلد وانجازاته. كأنها كانت، وفي وجه بعض دعاوى العنف والتهويل والمهاترات وحتى الاسفاف (تتذكرون جنرال البذاءة، زجال الرابية وسائر الروابي المنخفضة) كانت تواجه كل ذلك بحس سلمي دقيق، وبمسؤولية شعبية عالية لتبرهن أن المناحي الشعبية تختلف جذرياً عن الشعبوية، وان الخطاب السياسي مصنوع من الناس ومن افكارهم وهواجسهم، وليس معلباً ومفبركاً في أروقة المخابرات في بلاد الله الواسعة والضيقة! بل اكثر: لقنّت هذه الجموع السلمية دروساً للقريب وللبعيد، في الانتظام وفي الانضباط؛ وهنا لا بد من التنويه بأن المواطنين اللبنانيين الذي مارسوا حقهم في الانتخاب، كانوا، جميعاً على درجة عالية من التحضر والالتزام. ونظن ان الديموقراطية تبدو أحياناً (كالفوضى والتخريب) عدوى: "وباء"، جميلاًَ يصيب شعباً ما. وها هي العدوى الديموقراطية (وبرغم كل شيء) تصيب كل فرد، ومجموعة وطائفة!
ذلك ان الديموقراطية (برغم نقصانها) هي المظلة التي تحمي الجميع. واذا ما انتقصت تهدد الجميع حتى الذين يخربونها. وهذا ما شهدناه في حروب الآخرين علينا على امتداد أربعة عقود، عندما انكشف الجميع الأقوياء. والميليشيات وضَعُف الجميع برغم شعورهم بالقوة؛ على هذا الاساس لا بدّ من ان نرى ان كل استحقاق ديموقراطي (انتخابي اليوم) هو محط لاستحقاق آخر يعززه.
فالانتخابات النيابية اليوم، وبناء على النتائج التي اسفرت عن فوز 14 آذار يجب ان تستفيد من تجاربها على امتداد السنوات الأربع بحيث لا تتكرر الأخطاء. فالمجلس النيابي هو أم الدولة: هو الذي يشرع ومنه تنبثق الحكومة… ورئاسة الجمهورية وهذا يعني ان ما تعرض له هذا البرلمان في السنوات السابقة من تعطيل واهانة وتسفيه يجب الا يتكرر. لأن في ذلك تعطيلاً لارادة الشعب (وهل هناك ارادة فوق ارادة الشعب) وايفاء لارادته وطمساً لدوره. ولا يعنيني هنا الكلام على بدائل لمجلس النواب كأن يقال ان الأكثرية الشعبية تسيء والأكثرية النيابية شيء آخر. فهذه هرطقة وتلاعب لغوي لكي لا أقول تهديداً جديداً بتكرار تعطيل المجلس وربما الحكومة… وصولاً الى رئاسة الجمهورية والمؤسسات الأخرى! فلا سلطة فوق سلطة البرلمانّ ولا مكان لمكابرات عن تفاسير واجتهادات تعيدنا الى مقولة أكثرية وهمية وأكثرية فعلية، لأن مثل هذا التأويل سيرتد على مطلقيه، وعندها لن يكون من سقف لكلام يتداوله الناس عن خروج على السلطة، والبلد والجغرافيا والدولة والحدود…
لكن، برغم هذه الهواجس يبدو ان في الأجواء "أَنساما" منعشة، ونبرات طرية وصفحات تطوى مع الهواء السابق، كان للسيد حسن نصرالله ان يطلقها في خطابه "التدشيني" الأخير، مما اثلج القلوب واراحها، لا سيما عندما كان لما قاله اصداء ايجابية، عبّر عنها الشيخ سعد الحريري وجنبلاط وسمير جعجع وآخرون!
اذاً الرسالة واضحة: قبول النتائج وأيٍد ممدودة وخطب عقلانية وتقارب وهذا ما يتمناه الناس الذين مّلوا لغة الحروب، والإلغاء والكراهية والتهديد والتخوين… والتي لا تفعل سوى شق الشعب الواحد بحدود قاسية ووعرة.
واذا كانت ملامح توافق وقرب وآمال معقودة فالأساس الأساس يجب ان يكون متيناً: لا ظرفياً ولا تكتيكياً ولا مجرد لعب على وقت ضائع او مُنتظَر أو مُستجلَب؛ والمتانة هنا ان يكون الاتفاق أولاً على استعادة دور المجلس النيابي وعدم التلاعب به وتأكيد دور الحكومة فلا تكون حكومتان: واحدة توافقية داخل الحكومة واخرى عنفية انقسامية في الشارع؛ وكذلك تأكيد دور رئيس الجمهورية فلا يُجعل منه مجرد "شاهد" أو مراقب غريب… او ظل كما يتمنى مريض الرئاسات ميشال عون، بل حَكَم وحكم، وراع وحاسم في الأمور المفصلية وسواها باعتبار ان "اصطلاح رئيس توافقي لا يعني رئيساً بلا جمهورية، أو جمهورية بلا رئيس، اي لا يكون ميشال سليمان اميل لحود آخر.. اذاً، لا ثلث معطلاً في مجلس النواب ولا في الحكومة ولا في دور رئاسة الجمهورية. فالثلث المعطل في هذه المؤسسات واحد، ومترابط ومتسلسل وينبغي تجاوزه عبر الديموقراطية نفسها وعبر التفاهم وعبر الحوار وعبر التنفيذ والالتزام. واذا كان بعضهم (اي الأقلية) طالب بمثل هذا الضمان (المعطل) من الأكثرية، فيعني ذلك انها تمارس هروباً الى الامام، وبحثاً عن ضمانات خارج الشعب (كاجماع وخارج المؤسسات وخارج الدستور وهذه كلها أوهام ضمانات) ففي بلد صغير كلبنان لا يمكن الحسم في شيء مهما عظم او وُسم بالتقديس والمحرمات الاّ في الحوار والحوار الديموقراطي، لا حوار السلاح والعنف. باعتبار ان العنف الذي عرفنا على امتداد عهود الميليشيات لم يؤدِ الا الى خراب الجميع وانتحار "حملة السلاح" الذين تحولوا "محميات خارجية داخل وطنهم". على هذا الاساس لا بدّ من البحث عن جوهر جامع للأسئلة المطروحة او المقترحة للتوافق او للحوار او للقاء: هل ستصب في تعزيز الدولة واعلائها والجيش وسيادته ومجلس النواب ودوره والحكومة وممارستها ورئيس الجمهورية وحضوره والاستقلال وحدوده النهائية والقرارات الدولية والاعتراف عملياً وميدانياً بها وارادة الأكثرية كمنطلق اجتماع وحكم قائم على التعاون والبناء والوضوح والمقاومة وعلاقتها بالشرعية والبؤر الأمنية وبالاستراتيجيات المتداولة… والديموقراطية كينبوع فائض لكل حوار وتعاطٍ واختلاف وخلاف والتئام.
فاذا كان الجميع قد اعترفوا بديموقراطية العملية الانتخابية التي اسفرت عن تجديد فوز الأكثرية فيعني ان على الجميع الاعتراف بحق الأكثرية في الحكم، اما بشراكة واضحة عبر توافق متين، واما بتسلم الحكم ضمن منطق الأكثرية تحكم والمعارضة تحاسب. واذا كانت الأفضلية اليوم للتوافق، نظراً الى الظروف ومزاج الناس، فهذا رائع، على ان يكون التوافق اكثر من مجرد تلبية "لنداءات" خارجية اوأكثر من خطط تكتيكية مرحلية ضمن توازنات راهنة، بل تلبية لنداء الجمهورية وتلبية لنداء الجماهير، وتلبية لما يتعطش اليه اللبنانيون من حاجة الى ان يكون قرارهم هو "المقدس" والى الانخراط في لعبة البناء، بناء وطن متعدد، خصب، حر، سيادي، ديموقراطي، مزدهر، لا وطن بلا وطن، واي وطن يكون مجرد منصة يتبارى فيه الطامعون به، من هنا وهناك، ويحولونه موطئاً لاقدامهم، وفضاء لمشاريعهم وحروبهم وصراعاتهم!
هذا هو معنى كل توافق. اي توفق على ان بالديموقراطية تصنع السيادة، وتتبلور الجهورية وتتوضح المقاومة (اي مقاومة عسكرية أو مدنية أو شعبية أو وطنية) وان كل توافق اياً كانت اسبابه يتجاهل لعبة الديموقراطية يصيب جوهر الوجود اللبناني (اي الديموقراطية) في صميمه. وهنا لا بدّ من ان نشير انه لولا بعض ما تبقى من الديموقراطية والهوامش في لبنان، او لو ان لبنان "تمتع" بنظام ديكتاتوري أحادي، لما قامت لا المقاومة الوطنية، ولا الاسلامية ولا أي مقاومة أخرى. التوافق يعني تعزيز الديموقراطية باحترام الدستور وتكريس السيادة بتقوية الدولة ومؤسساتها واعتراف بأنّ الوطن يعلو فوق الجميع، الوطن الذي يتسلح بنظام مفتوح، قابل للتطور، وترسيخ العدالة، ورفض اي بقعة خارج سيادة الدولة والجيش ورفض كل الظواهر الكانتونية التي ورثنا بعضها من الحروب السابقة وادواتها الميليشيوية التقسيمية.
على هذا الاساس، لا بدّ من الاطمئنان (وان على شيء من التخوف) الى الأجواء الايجابية، التوافقية التي ابداها كل الفرقاء بعد اسدال الستار على نتائج الانتخابات، ولا بدّ من اعتبار بعض التصريحات المريحة المتبادلة بين الزعماء، اشارات ولو أولية الى زمن جديد، يجتمع فيه اللبنانيون لا ليديروا "ازماتهم" بانتظار "ما تحبل به الأحداث او ما ينتظره بعضهم"، بل ليتعاملوا مع كل أزمة باعتبارها محطة لتطوير الحياة السياسية، وتعميق المجتمع المدني وتعزيز الديموقراطية وتفعيل المشاركة الحقيقية تحت سقف الدولة والدستور والمواثيق لكي لا يكون التوافق مجرد لقاء على منعطفات، او تقاطع بين متناقضات!
انها لحظة تاريخية شعَّثْ في الانتخابات ونتائجها، فلنحولها زمناً مديداً لخدمة هذا البلد… ومستقبله وهو أمر لا يمكن أن يتم الاّ عبر الديموقراطية الحية كتعبير عن ارادة الناس.
فالديموقراطية في لبنان هواء للجميع! فليتنشقه الجميع ملء الصدور!