8 آذار عموماً و"حزب الله" خصوصاً يقرآن جديد المعطيات لبنانياً وإقليمياً.. ويراقبان الاحتمالات
.. أمّا الجنرال فمثلُ "الخروف الأسود"
في متابعة دقيقة لمواقف الأفرقاء السياسيين خلال الأسبوع المنصرم ـ بعد الانتخابات ـ يتبدّى بوضوح تام معطيان رئيسيان كبيران. المعطى الأول هو أن الأفرقاء الأساسيين كافة قرّروا "الانتقال" سياسياً وعملياً.. وواقعياً الى ما بعد 7 حزيران ونتائج الانتخابات.. الى المرحلة التالية و"مقتضياتها" وموجباتها. أما المعطى الثاني فهو أنّ الجنرال ميشال عون، وحده من بين الأطراف، لا يزال في 6 حزيران.. في المرحلة السابقة على الانتخابات.
"الخروف الأسود" يدلّ على نفسه!
لا يخطئ النظر البتّة في ملاحظة هذين المعطيين. حتى أن العديدين من المراقبين يشبّهون الجنرال بـ"الخروف الأسود" الوحيد في حظيرة لـ"الأغنام البيضاء".. أي أنه يدلّ على نفسه بنفسه!
وحقيقةُ الأمر في هذا المجال أن الملاحظة لا تتعلق بانفراد عون بخطاب متوتّر شكلاً، بل هي ـ أي الملاحظة ـ تتعلق بمقاربة مضامين المرحلة الراهنة ـ المقبلة. ولا شك أن مقارنةً عامةً بين تعاطي 8 آذار ـ و"حزب الله" في المقدمة ـ مع المرحلة ومعطياتها من جهة والتعاطي العوني من جهة ثانية، تسمحُ بـ"تظهير" الفارق السياسي.
"حزب الله" يعترف بلا إمكان الطعن بالأكثرية
فعلى الرغم من "نظريّة" التمييز بين أكثرية "نيابيّة" وأخرى "شعبيّة" مما يشكّل نوعاً من "ربط نزاع" للمستقبل، فإن 8 آذار ـ و"حزب الله" في المقدمة ـ إعترف بأن 14 آذار أكثرية. وبذلك فهو يعترف بأن الطعن في هذه الأكثرية وبأن التخطيط لانقلاب ما عليها ليسا ممكنين. أي أنه "يعتبر" من دروس المرحلة السابقة.
كذلك، لا يستطيع 8 آذار ـ و"حزب الله" في المقدمة ـ إنكار حقيقة أن الأكثريات في كل الطوائف ـ ما عدا الطائفة الشيعية ـ محسومةٌ لصالح إنخراط تمثيلها السياسي في 14 آذار. ولا يستطيع القفز فوق حقيقة أن الأكثرية المسيحيّة بجانب 14 آذار ولم تعُد بجانب الجنرال. وأكثر من ذلك، فإن "حزب الله" يعرف أكثر من غيره حجم الجهد الذي بذله كي يعود عون الى المجلس النيابي بكتلة كبيرة، وله الفضل ـ "حزب الله" ـ على عون بـ12 نائباً، في جزّين (3) وفي جبيل (3) وفي بعبدا (6)، ويمكن إضافة خمسة في كسروان أيضاً فازوا بفارق "الصوت الشيعي".
.. وسدّد الدَين لعون.. بـ"فائدة"
الأهم في السياق نفسه، أن 8 آذار ـ و"حزب الله" في المقدمة ـ لا يستطيع وقد سدّد الدين العوني عليه بـ"فائدة" كبيرة، أن يتجاوز حقيقة أن البيئة السنيّة المتوحّدة حول زعامة سعد الحريري بتلاوينها السياسية كافة، إنما باتت معطى عليه أن يأخذه في الاعتبار، في مجال عدم وضع نفسه في مواجهة "إجماع سني" من ناحية وفي مواجهة أكثرية مسيحية من ناحية ثانية وفي مواجهة أكثرية درزية موصوفة من ناحية ثالثة. أي أن عليه أن يأخذ في الحسبان "الاستنفار" الذي كان من نتائج سياساته.. أي أنه هنا أيضاً "يعتبر" من دروس المرحلة السابقة.
وفي مجال غير بعيد، يدرك 8 آذار ـ و"حزب الله" في المقدمة ـ على ما يبدو أن تكرار تجربة السنوات الماضية غير ممكن. فالبلد تعب واللبنانيون تعبوا.. ونتائج الانتخابات بمعنى من المعاني تفيد أن اللبنانيين إقترعوا لـ"الاستقرار"، أي لـ"الخلاص".
إذاً، ثمة في الوضع اللبناني الداخلي معطيات ـ حقائق لا يمكن لأي مقاربة أن تتجاوزها: الأكثرية أكثرية غير مطعونة، والأكثريات ضمن الطوائف محسومة، والبلد بحاجة الى "الراحة".
الجديد الأميركي
بيدَ أن هناك معطيات ـ حقائق إقليمية وازنة أيضاً تدفع 8 آذار ـ و"حزب الله" في المقدمة ـ الى "احتسابها" جيداً.
لا مجال للشك في أن ثمة سياسة أميركية جديدة بـ"نسبة" عالية في المنطقة. وبصرف النظر عن "المآل" الذي يمكن لهذه السياسة الجديدة أن تصل اليه، فمن نافل القول إن "اللحظة" الاقليمية الراهنة ـ ولفترة مديدة ـ هي لحظة دينامية سلمية تضع الولايات المتحدة ثقلاً سياسياً كبيراً لانجاحها.
كذلك لا مجال للشك في ان النظام العربي الذي شدد على ان يكون العام الحالي 2009 عاماً للسلام الاقليمي على اساس "المبادرة العربية"، وأكد ان ملف الصراع العربي ـ الاسرائيلي سيكون في يده سلماً أو حرباً، نجح في "لملمة" أوضاعه باستئناف العلاقات السعودية ـ السورية والمصرية ـ السورية. وتزامناً تعلن دمشق بـ"انتظام" انها معنية بمواصلة العملية السلمية. ومن نافل القول هنا ايضا إنّ هذا الوضع الجديد للنظام العربي، انما يشكل معطى متغيراً بالنسبة الى إيران وبالنسبة الى "حزب الله" كذلك.
الفصل بين فلسطين والنووي.. والمستجد الإيراني
ولا مجال للشك في أن إيران "تستعد" للحوار في الأسابيع والشهور المقبلة مع الغرب والمجتمع الدولي بشكل "مواز" للحوار العربي ـ العربي والعربي ـ الأميركي ـ الغربي ولـ"الدينامية السلمية" في المنطقة، أي في ظل فصل بين ملفات الشرق الأوسط".. بين ملف الصراع العربي ـ الاسرائيلي والملف النووي الإيراني. وكذلك شهدت إيران أمس انتخابات رئاسية حامية "تقول" معطياتها انه أياً يكن الفائز فيها فإن الوضع الإيراني الداخلي سيكون أمام مستجدات معينة، وأمام ترتيب مختلف للأولويات، علماً ان ذلك لا يعني ابداً ان في إيران اختلافاً على "المسألة الوطنية" (النووي) وإن كان الخلاف قائما على "ادارة" هذا الموضوع.
التأمل والمراقبة
باختصار، حيال المعطيات ـ الحقائق المحلية اللبنانية المنوّه عنها آنفاً، وحيال المعطيات ـ الحقائق الاقليمية حول لبنان، يبدو واضحا ان المكوّنات الأساسية لـ 8 آذار قد تكون أمام مستجدات "استراتيجية". ولذلك، فإن "أدقّ" تقويم حالياً لوضع "حزب الله" هو انه أخذ لنفسه فترة من التأمل والمراقبة لاقتناعه بأن الظروف لا تحتمل أخطاء في القراءة. وعلى هذا الأساس يبدو ان "حزب الله" يبدي "إيجابية" في حدود معينة مستبقياً "إحتياط" التصعيد اذا "اقتضى الأمر".
أما "الخروف الأسود" فهو بإزاء المعطيات ـ الحقائق لبنانياً وإقليمياً يكابر أولاً ولا يجيد القراءة ثانياً، وإن قرأ توتّر ثالثاً، ويبدو في مكانه محاولاً استخدام "عدّة" الأيام الخوالي رابعاً وأساساً.