الحريري مع المشاركة الوطنية لكنه ضد المشاكسة
مشاورات غير رسمية للتأليف قبل التكليف
"نعم للمشاركة ولا للمشاكسة" هذا هو شعار رئيس كتلة "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري اذا قررت الأكثرية تكليفه تشكيل حكومة جديدة وقَبِلَ هو هذا التكليف.
والمشاركة في معناها الصحيح والايجابي هي تلك التي تؤمن تمثيل كل القوى السياسية الاساسية في البلاد على اساس برنامج عمل يصير الاتفاق عليه مسبقاً، إذ ان الخلاف بين قوى 8 و14 آذار ليس بين اشخاص بل على مبادئ وخط سياسي، فاذا ما صار اتفاق على قواسم مشتركة، فلا يعود خلاف على عملية التشكيل.
لذا، ينبغي في رأي اوساط سياسية مجربة ولها خبرتها ان يسبق الاستشارات لتسمية رئيس الحكومة المكلف مشاورات مع رؤساء الاحزاب والكتل للوقوف على رأيها في ما ينبغي ان يتضمنه برنامج عمل الحكومة العتيدة وحتى الاتفاق على توزيع الحقائب المهمة بين الأكثرية والأقلية لأن الدعوة السليمة التي ينبغي الاستجابة لها هي للاتفاق على برنامج وحدة وطنية لأنه السبيل الصحيح للاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وليس العكس، ولئلا يؤدي الخلاف على مضمون هذا البرنامج الى تفجير الحكومة من الداخل وتعريض البلاد لأزمة وزارية مستعصية قد تتحول ازمة حكم قد تكون ثمة ايد خفية او ظاهرة تعمل لذلك لغاية في نفوس شريرة.
ولا بد إذاً من اختبار ما في النفوس وعدم الاكتفاء بما تنطق به الألسن من مواقف مرنة وايجابية حيال تشكيل حكومة وحدة وطنية، وليس اختبار ما في نفوس الداخل فقط بل ما في نفوس الخارج أيضاً وتحديداً سوريا وإيران، وما اصرار البعض على إعطاء "الثلث المعطل" للأقلية المعارضة سوى فخ من الافخاخ التي توضع في طريق عملية التشكيل، حتى انه اذا كان لا بد من اعطاء هذا "الثلث" فينبغي اعطاؤه لرئيس الجمهورية، لأنه الرئيس الوفاقي والتوافقي. اما قول العماد ميشال عون انه يوافق على ذلك شرط ان يصير تعديل الدستور لهذه الغاية، فهو كلام حق يراد به باطل، اذ انه يعلم ان تعديل الدستور ولو بمادة واحدة يحتاج الى ظرف سياسي ملائم والى وقت، ويكفي الآن التسليم بمبدأ اعطاء "الثلث المعطل" بل "الضامن" وهو الوصف الصحيح عندما يعطى للرئيس سليمان واعتماد ذلك كعرف ريثما يفتح باب تعديل مواد في الدستور او توضيح وتفسير بعضها في وقت لاحق وفي ظروف سياسية ملائمة.
لكل هذه الأسباب وغيرها ترى الاوساط نفسها ان تبدأ الاتصالات غير الرسمية حول تأليف الحكومة العتيدة قبل التكليف الرسمي بقصد جس نبض الفاعليات السياسية في موضوع التشكيل، وما هي العقبات التي قد تبرز للعمل على تذليلها، حتى اذا ما صدر مرسوم لتكليف الرسمي، تكون الحكومة شبه مشكلة ولا عوائق تعترضها.
لقد سبق للرئيس الشهيد رفيق الحريري على اثر التمديد للرئيس اميل لحود ان صار تكليفه بصورة غير رسمية تشكيل الحكومة وباشر اتصالاته لهذه الغاية، لكن تبين له بعد لتكليفه رسمياً ان هناك من يفتعل العراقيل في وجهه، بحيث انه كلما حل عقدة برزت عقدة جديدة، ولم يكن الرئيس لحود وسوريا بعيدين عن ذلك، مما اضطر الرئيس الحريري "رحمه الله" الى اصدار بيان يعلن فيه اعتذاره وقد ختمه بالعبارة الشهيرة: "اني استودع الله شعب لبنان الطيب" لذا، ينبغي ان لا يتكرر ذلك مع الحريري الابن اذا كان هناك من لا يزال يعمل لخدمة الشر في لبنان، اذ ليس من مصلحة زعامته السياسية ان يكلّف تشكيل الحكومة ثم يعجز عن ذلك بعدها، فيتحمل باستمراره في العمل على تشكيلها، مهما طال الوقت، تبعة تعريض البلاد لأزمات شتى لاسيما في المجال، الاقتصادي والمالي، وليس له مصلحة أيضاً وحرصاً على زعامته السياسية ان يعتذر بعد تكليفه لأنه عجز عن تشكيل الحكومة.
لكن ثمة فرقاً في الظروف المحلية والعربية والاقليمية والدولية بين اليوم والأمس. فعلى رأس الدولة رئيس للجمهورية صادق وشفاف في تعاطيه السياسي، فلا هو يَغش (بفتح الياء) ولا هو يُغش (بضم الياء). وسوريا اليوم لم تعد، كما يبدو ولو في الظاهر حتى الآن، كسوريا الأمس، ان من مصلحتها ان تتعاطى بايجابية مع نتائج الانتخابات، وان لم تكن تنتظر هذه النتائج، فتساعد الحكم في لبنان على تذليل العقبات التي تعترض تشكيل الحكومة الجديدة بدون حاجة كل مرة الى عقد لقاء خارج لبنان بحثاً عن حل كما حصل أخيراً في الدوحة، وكأن لبنان يعيش دائماً وضعاً شاذاً لا سبيل للخروج منه الا بتجاوز احكام الدستور او مخالفتها، وان تعاطي سوريا مع الدولة اللبنانية التي على رأسها رئيس موثوق تدعي انها تقدره وتحترمه، هو الذي يجعلها تطمئن ولا تحتاج الى "ثلث معطل" يعطى لحلفائها في لبنان من أجل حماية مصالحها خصوصاً بعدما بات الجميع مقتنعين بوجوب فصل موضوع العلاقات اللبنانية – السورية عن مجريات المحكمة ذات الطابع الدولي وانتظار الاحكام التي ستصدر عنها في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، وقد يستغرق صدورها سنوات…
اما "حزب الله" الذي كان يشكل سلاحه قبل الانتخابات تهديداً لسلامتها ونزاهتها في نظر بعض قوى 14 آذار، فان هذا السلاح لم يعد بعد الانتخابات مسألة شخص أو حزب او فريق، انما بات مسؤولية الجميع ولا يمكن ايجاد حل له الا بالحوار وبترقب نتائج الجهود الدولية ولا سيما الاميركية لتحقيق السلام الشامل في المنطقة.