#adsense

“لبنان أولاً” في لبنان و”ايران أولاً” في إيران.. هذا ما لا يفهمه الممانعون

حجم الخط

"لبنان أولاً" في لبنان و"ايران أولاً" في إيران.. هذا ما لا يفهمه الممانعون
معركة واحدة.. في مواجهة "الثورات الإنكشاريّة"

أيّاً كانت تطوّرات الوضع الإيرانيّ في المقبل من أيّام، فإنّها كشفت للعالم أجمع عن التناقض الجوهريّ بين منطق الممانعة وبين منطق الديموقراطيّة، وهي ستكشف لاحقاًَ عن التناقض الذي لا يقلّ جوهريّة بين منطق الممانعة وبين منطق السلام الإقليميّ الشامل الذي تتطلّع إليه إدارة الرئيس الأميركيّ باراك أوباما.

ولا قيمة لكلّ هذا التغني بحيوية المجتمع الإيرانيّ ما لم تسجّل في الوقت نفسه محدوديّة اللعبة الديموقراطيّة في ظلّ نظام الملالي وسطوة ميليشيات "الباسدران" و"الباسيج" على مقاليد الأمور، وحقيقة ما تفرضه هذه السطوة من تبلّد على شرائح إجتماعيّة بأسرها.

كذلك الأمر، لا قيمة لكل هذا التغنّي بحيوية المجتمع الإيرانيّ ما لم يجر إظهار تواضع آفاق "الإصلاح" من داخل النظام، ومراوحة "التغيير" مكانه طالما ظلّ ينتسب إلى نفس "الشرعية الثوريّة" التي يبني عليها نظام الملالي أسطورته وسلطانه.

لقد كُتِبَ الكثير، لا سيّما في الأسابيع الماضية، بقصد إمتداح الديموقراطيّة الإيرانيّة في مقابل التأسّف على الركود العربيّ. والحال أنّه يصعب نفي حال الركود عن العالم العربيّ، خصوصاً فيما يتعلّق بإنتاج الأفكار والتطوّر الديموقراطيّ. إلا أنّ الحال الإيرانيّة وإن تميّزت بكثير من الأفكار التي تطرح في بعض المنتديات الإصلاحيّة، وبمدى حضاريّ عريق ليس يمكن للعرب مجاراته، فإنّها لا تبرز اليوم تطوّراً زائداً عن المسارات الديموقراطيّة في ثلاثة بلدان عربية معتدلة هي لبنان والعراق والمغرب، بل إن العكس صحيح.

وإذا كان "تصدير الثورة" الإيرانيّة عقبة أساسية للتطوّر الديموقراطيّ في البلدان العربيّة، فالأحرى القول بأنّ "الثورة" ونظامها يشكلان عقبتين رئيسيتين أمام التطوّر الديموقراطيّ لإيران نفسها، بحيث إنّ "الشرعيّة الثوريّة" اختارت طريق "التزوير المحض" لنتائج العملية الإنتخابيّة أمام الجميع.

يشبه وضع ميليشيات "الباسدران" و"الباسيج" في ايران اليوم خط الممانعة التي كانت تبديه الفرق الإنكشاريّة في دار الخلافة العثمانية بوجه الإصلاحات في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر. في الآستانة، أحتاجت الإطاحة بالإنكشارية إلى هزيمة كاملة للسلطنة في حرب البلقان، لينتفض بعد ذلك الشعب، وينصر سلطانه محمود الثاني على الإنكشاريّة. قبل ذلك بعقدين أو ثلاثة، كان تقليص سلطة الإنكشارية يبدو مستحيلاً، لكن في 16 حزيران 1826 انقضت جماهير الآستانة على ثكناتهم، وأبادتهم في الشوارع.. إنّما كان ذلك بعد فوات الأوان، وبعد سلسلة من الهزائم التي تسبب الإنكشاريّون بها، والتي قوّضت أركان السلطنة..

ومع أنّ إبادة الإنكشاريّة فتحت الطريق واسعاً أمام "الإصلاحات" أو "التنظيمات" إلا أنّها لم تستطع تجاوز ما تسبّبت به الممانعة الإنكشاريّة من هزائم قاتلة.. والأسوأ من كلّ ذلك أن النموذج "الإنكشاريّ" بقيّ المثال الأعلى لعصر "الثورات" في الشرق منذ "الإتحاد والترقي" عام 1908 ووصولاً إلى الثورة الإيرانيّة.

الممانعة الباسدرانية في إيران اليوم، كمثل الممانعة الإنكشاريّة في الآستانة بالأمس: التأهّب دائماً لمنع أي تعديل إصلاحيّ إمّا بإستباقه ووأده منذ البدء، وإمّا بالإنقضاض عليه بعد بروزه، حتى لو كان من خلال "التزوير المحض".

فهل يكون مصير الممانعة الباسدرانية كمصير الممانعة الإنكشاريّة ولو بعد حين؟ هنا أيضاً يبدو أنّ هذا النوع من الممانعات يطلب الهزائم طلباً، لأنه لا يعرف الإستقرار لا في الداخل ولا في الخارج.

من كلّ التراث الأوروبيّ في التنوير والحداثة، لم تلتفت هذه المنطقة من العالم، بعربها وعجمها وتركها، إلا لفكرة "الثورة".. يتبيّن الآن أنّ هذه الفكرة كانت وبالاً على التطوّر الطبيعيّ لهذه المجتمعات خصوصاً وأنّها أعادت إنتاج النموذج "الإنكشاريّ" وأطاحت التجارب البرلمانية والليبراليّة.

هذا اعتبار عام ينطبق على كل ما أتحفنا به من "ثورات انكشارية" أعادت مجتمعاتنا عقوداً بل قروناً إلى الوراء.. مرة باسم البعث العربي ومرة باسم الإشتراكية والإصلاح الزراعيّ ومرة بإسم ولاية الفقيه في مواجهة الإستكبار.

وحدها "ثورة الأرز" شذّت عن هذه القاعدة اللئيمة.. وأعادت الوصل مع نموذج آخر للثورات.. الدستوريّة في مقابل الإنكشاريّة.

لأجل ذلك، وفي مواجهة "حراس الثورة"، ليس للإصلاحيين في إيران ما يتسلّحون به غير نموذج "ثورة الأرز" في لبنان.

في لبنان نقول "لبنان أولاً" بوجه من يريدون أن تكون مصلحة إيران على حسابنا.. أما في إيران فينبغي أن يرفع الإصلاحيّون شعار "إيران أولاً" بوجه من يريدون أن تكون مصلحة تصدير الثورة إلى لبنان وغيره على حساب مصلحة الشعب الإيرانيّ في الديموقراطيّة والسلام. المعركة واحدة في كلّ الشرق ضد.. الممانعة الإنكشاريّة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل