صعوبات وتحديات أمام الحكومة·· والاستقرار!

صعوبات وتحديات أمام الحكومة·· والاستقرار! 

أجواء التهدئة والانفتاح على الآخر، التي طغت على مناخات التوتير والتصعيد التي سادت الخطاب الانتخابي، لا تعني أن لبنان انتقل بقدرة قادر من قاع الانقسامات والمواجهات إلى قمة الوفاق والاستقرار·
صحيح أن الأجواء الإيجابية التي أعقبت يوم الانتخابات الطويل، أفضل بكثير مما كانت عليه في الشهرين الماضيين، وصحيح أن مبادرات الانفتاح والحوار التي بدأت بالكلمة الواعية والمسؤولة التي ألقاها زعيم الأكثرية النيابية سعد الحريري ليلة ظهور نتائج صناديق الاقتراع، ثم لاقاه إليها قادة آخرون في الموالاة والمعارضة، صحيح أن هذه المبادرات أفضل بكثير من شعارات التحدي والاستفزاز التي هيمنت على مرحلة ما قبل الانتخابات·

وصحيح أيضاً وأيضاً، أن نجاح عملية إجراء الانتخابات في كل لبنان، وفي يوم واحد، هو إنجاز كبير للدولة بأجهزتها الأمنية ومؤسساتها الإدارية المعنية، ويعتبر النجاح الأكبر لرئيس الجمهورية وحكومة الوحدة الوطنية التي جرت الانتخابات برعايتها من دون أي شكوى بالتدخل، ومن دون وقوع أي حادث أمني يُذكر!·

ولكن كل تلك المؤشرات الإيجابية، على أهميتها، يجب ألا تحجب عنا الصعوبات والتحديات التي ما زالت تعترض سبيل تطبيع الوضع اللبناني، وإعادته إلى سكة العمل الصحيحة في إطار إحياء دور المؤسسات الدستورية، ومراعاة مبدأ الفصل بين السلطات، والحفاظ على أصول اللعبة الديمقراطية التي تصون سلامة النظام السياسي الديمقراطي الذي يتمسّك به اللبنانيون·

* * *
ولعل الاستحقاقات الدستورية الداهمة، والتي تبدأ بانتخاب رئيس المجلس النيابي الجديد، ثم ترشيح رئيس الحكومة العتيدة، وما يجب أن يليها من توافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو <حكومة ميثاقية> كما يصفها رئيس الجمهورية، إن هذه الاستحقاقات المتلاحقة ستشكل المحكّ الحقيقي لصدقية النوايا الانفتاحية والحوارية لمختلف الأطراف السياسية وخاصة لأطراف المعارضة، وبالأخص التيار العوني بالذات·

لقد أعلنت أحزاب وتيارات المعارضة قبولها بنتائج الانتخابات، واعترفت بخسارتها السياسية في المواجهة الانتخابية مع الأكثرية، التي بقيت أكثرية في المجلس النيابي الجديد·

ولكن هل ستقبل هذه الأحزاب والتيارات التي تُشكل الأقلية النيابية الجلوس على مقاعد المعارضة، والاكتفاء بأعمال المراقبة والمساءلة والمحاسبة لحكومة الأكثرية، كما يجري في الديمقراطيات العريقة، أم أن <حليمة ستعود إلى عادتها القديمة> وتضع قدماً في المعارضة وأخرى في الحكومة، تحت شعار عدم ترك الأكثرية تستأثر بالسلطة وحدها؟·

وفي حال قرّرت المعارضة المشاركة في الحكم، تحقيقاً لمبدأ الشراكة الوطنية – كذا – هل ستعود إلى مطالبتها القديمة بالحصول على الثلث المعطل، كما أعلن النائب المنتخب سليمان فرنجية، وكيف ستُعالج المعارضة عقدة الحليف المدلل: التيار العوني، الذي يُطالب رئيسه الفائز بأصوات حلفائه الأرمن والشيعة، بنصف المقاعد المسيحية في الحكومة العتيدة··· رغم تراجع حجم قاعدته المسيحية كما بيّنت صناديق الاقتراع في مختلف الدوائر المسيحية؟·

هل ستستمر مظلة التقارب بين الرياض ودمشق التي رعت الانتخابات النيابية، ووفّرت لها الأجواء الهادئة يوم الانتخاب رغم حدّة التشنجات في العديد من الدوائر الانتخابية؟· هل ستستمر هذه المظلة العربية، المدعومة أوروبياً وأميركياً، في توفير الأجواء الهادئة لولادة الحكومة العتيدة من دون مخاضات قيصرية تُعيد عقارب الساعة إلى الوراء؟·

والسؤال الأبرز هنا: هل فتحت هذه المظلة أبواب السراي الكبير أمام زعيم أكبر كتلة نيابية سعد الحريري، وهل أصبحت طريق دمشق سالكة أمام المرشح الأوفر حظاً لترؤس الحكومة الجديدة؟·

* * *
من السابق لأوانه التسرّع في الإجابة على مثل هذه التساؤلات التي تطرحها تلك التحديات والصعوبات التي ما زالت تعترض سبيل الاستقرار السياسي في البلد·

والحكمة تقتضي التمهّل، والتسلّح بشيء من التروي والصبر، بانتظار ما ستُسفر عنه الاتصالات، والمشاورات الناشطة على أكثر من صعيد: عربي – عربي، عربي – إقليمي، إقليمي – دولي، وعربي – دولي، وكلها تحاول أن ترسم خريطة طريق جديدة لأوضاع المنطقة، وخاصة في المحاور الساخنة فيها: لبنان وفلسطين والعراق·

غير أن سياسة الانتظار لا تعفي القيادات اللبنانية، في الموالاة والمعارضة، من مسؤولياتها الوطنية، في العمل على إعادة ترميم الجبهة الداخلية من تصدّعات السنوات العجاف الماضية، وتغليب سياسة العقل والحكمة والحوار على ما عداها من أساليب التحدي والاستفزاز والاستكبار في مخاطبة الآخر والتعامل معه، ثم الاقتناع بأن الواجب الوطني على كل لبناني يفرض عليه العمل، وكل من موقعه، على تحصين الساحة اللبنانية من رياح التدخلات والضغوطات الآتية من الخارج، والإسراع في إيجاد الصيغ المناسبة لمعالجة الخلافات والازمات المختلفة، والتي تبيّن أن معظمها يعود لأسباب لها علاقة بالجموح نحو التفرّد بالسلطة وقهر الآخر، فضلاً عن المؤثرات الخارجية عبر قنواتها وأدواتها الداخلية المتعددة·

* * *

ثمة مؤشرات توحي بأن طريق الأكثرية لن يكون مفروشاً بالورود، وأن تشكيل الحكومة الجديدة قد لا يتم بكبسة زر، وأن المخاض الذي دخلته الرئاسة الثانية في وقت مبكر، وقبل انتهاء الولاية الدستورية للمجلس النيابي الحالي، لا يُنبئ بعودة سهلة للرئيس نبيه برّي إلى رئاسة مجلس النواب، وأن ثمة عملية خلط أوراق في التحالفات السياسية الحالية، قد تُساعد على تحقيقها تأزمات سياسية مفاجئة·

إن استشعار مثل هذه المؤشرات المقلقة يفرض على اللبنانيين التزام جانب الحذر، ويجب أن يدفع القيادات المسؤولة إلى الإسراع في تنشيط قنوات التواصل والحوار، والسعي لتمرير مرحلة الاستحقاقات الداخلية، والمفاوضات الخارجية، بأقل الخسائر الممكنة على الوضع الداخلي، وفي أسرع وقت تسمح به المؤثرات الخارجية!·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل