#adsense

القيادات المسيحية أمام مسؤوليات مصيرية

حجم الخط

القيادات المسيحية أمام مسؤوليات مصيرية

ما ان وضعت معركة الانتخابات النيابية اوزارها وفاز فيها من فاز، وخسر من خسر، وبدأت مرحلة جديدة من خطاب هادىء تتبادله القيادات السياسية الاساسية، بعيداً من الشحن والتجييش واطلاق الشائعات والاتهامات، التي كانت عدّة الشغل عند الاطراف المتواجهة في معركة اتفق على وصفها، اما بالمصيرية او المفصلية بالنسبة الى البعض.

واما الهامة والحساسة عند البعض الآخر، حتى بدأت الرابطة المارونية وفاعليات مسيحية أخرى، تحمل الهمّين الوطني والمسيحي بالتحرك لتبريد الساحة المسيحية، وجعلها تستفيد من حالة التهدئة التي بدأت تطلّ بقوة لحماية لبنان من اي ارتدادات سيئة لنتائج التحرّك الدولي، في حال لم ينجح في تفكيك الخلافات بين ايران وسوريا من جهة، وبين الولايات المتحدة الاميركية واوروبا من جهة ثانية، وقد نجحت هذه المساعي في تمرير الانتخابات النيابية، بحدّ مقبول من الهدوء والقبول بالنتائج خصوصاً في المناطق المسيحية ذات الحساسية العالية، مثل زغرتا والكورة والبترون، على الرغم من وقوع بعض الصدامات التي اوقعت جرحى ووتّرت الاجواء واستدعت تدخلاً سريعاً من القيادات المعنية لتطويق هذه الاشكالات التي من شأنها أن تخلق بؤرة نزاعات قد تكبر وتتسع وتمتد بحيث يصبح من الصعب ضبطها واحتواؤها، ان لم تتم معالجتها بحزم من القيادات المسؤولة، ويمكن القول ان رئيس الهيئة التنفيذية في حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، كان سبّاقاً ومبادراً في هذا الاتجاه، عندما مدّ يده الى التيار الوطني الحر، وتيار المردة، وحزب الطاشناق، وجميع الافرقاء المسيحيين، لتفعيل الثوابت التي لا خلاف عليها بينهم والدخول في حوار للبحث بهدوء وموضوعية في القضايا الخلافية.

ويشار هنا الى أن النائب سليمان فرنجية رئيس تيار المردة، والنائب ميشال عون رئيس التيار الوطني الحر، سبق لهما وأعلنا ان الحوار والمصالحة مع القوات اللبنانية يمكن ان يتمّا بعد الانتخابات، وبالتالي يبقى أن يقرنا القول بالفعل ليصبح ممكناً نصب خيمة سلام واستقرار فوق اقضية الشمال المسيحية، لتفتح بعدها الابواب والقلوب بين هذه الاقضية وبين محيطها من الاقضية ذات الغالبية الاسلامية في عكار وطرابلس والمنية ـ الضنية.

اذا كان لبنان، على مختلف طوائفه ومذاهبه وتياراته السياسية، لا يحكم الاّ بالتوافق والحوار، فمن باب أولى أن يبادر المسيحيون الى وقف النزف والشرذمة والعدائية المستشرية في صفوفهم وبين عائلاتهم، وحتى بين افراد العائلة الواحدة، والفرصة الآن سانحة، خصوصاً بعدما افرزت الانتخابات النيابية، واقعاً شرعياً جديداً مساعداً، يقوم على شعبية متساوية متوازنة بين الأفرقاء المسيحيين، تسمح بالجلوس على طاولة حوار لا غالب فيها ولا مغلوب، ولا منتصر وخاسر.

*****
ان الحوار المسيحي ـ المسيحي، الذي نأمل أن يحصل بسرعة، يجب الاّ يكون همّه تبريد الساحة المسيحية وحسب، بل ان الحوار يجب أن يركّز على درس قانون انتخاب جديد يسمح للمسيحيين ان يوصلوا الى المجلس النيابي، نواباً بأصواتهم، وليس بأصوات الناخبين من الطوائف الاخرى، خصوصاً ان قانون الستين قد كشف بالممارسة على الأرض، عمق التغيير الديموغرافي الذي حصل في لبنان طول 49 سنة، بحيث تأكد ان قضاءين فقط ما زالا خارج التأثير الديموغرافي الجارف، هما قضاء بشري وقضاء كسروان، والى حدّ ما اقضية زغرتا والبترون والمتن، ومن المؤكد ان التغيير سوف يستمر ويتصاعد في السنوات المقبلة، وهذا امر طبيعي ومفهوم، واذا كان اتفاق الطائف ينص حتى الآن على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، والنائب سعد الحريري بما يمثل من قيمة وطنية وسنية، يصرّ على هذه المناصفة في كل الظروف، الا ان هذا الواقع لا يعني ان المسيحيين مرتاحون ان يعيّن غيرهم نوابهم، خصوصاً عندما يسمعون أصواتا تتحدث عن أكثرية نيابية وأكثرية شعبية، وعندما يراقبون عند كل استحقاق نيابي ان من يملك الارجحية الشعبية في المناطق المسيحية، يتحكّم في تسمية المرشحين، بحيث يتخلّى دورياً عن نواب مسيحيين في كتلته، ليدخل نواباً آخرين مكانهم دونما سبب، وفي طريقة مهنية احياناً، أو ليقايض عليهم في مناطق اخرى، ولذلك فان التفتيش عن قانون جديد للانتخاب، يسمح بتحرير النواب المسيحيين من جهة، وتحرير الناخب المسيحي من جهة ثانية، يجب ألا يكون في اولويات القيادات المسيحية وحسب، بل ايضاً في اولويات الشركاء في الوطن، الحريصين على العيش الواحد، والوطن الواحد، ولم يكن من باب التعصب الديني، ما صرّح به البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير في العام 2005، عندما قال ان الطائف اعطانا 64 نائباً ويجب ان ننتخب 64 نائباً، بل كان هذا الكلام من رجل يستشرف المستقبل، ويعرف ان المتغيرات الديموغرافية في طريقها لتجرف الوجود المسيحي في لبنان والشرق الاوسط، بسبب الاحداث الامنية والحروب، وتفلّت المتطرفين الاسلاميين، واعتبار فريق واسع من المسلمين، عند الشيعة والسنّة على السواء، ان الارض العربية هي أرض المسلمين، وتعاظم نسبة الولادات عند المسلمين، وقلّتها عند المسيحيين.

اضافة الى هجرتهم الواسعة طلباً للاستقرار، والامان والعيش الكريم، وهذه الاسباب مجتمعة ومتفرقة، سمحت بأن يتغيّر وجه لبنان وخصوصاً بعد عملية التجنيس العشوائية أيام الرئيس الراحل الياس الهراوي.

هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق القيادات المسيحية السياسية والروحية، والتلكؤ في تحمّل هذه المسؤولية، مهما كان سببه، سيدين هذه القيادات، ويحمّلها ارتكاب الخطيئة المميتة بحق لبنان وبحق المسيحيين.

المصدر:
الديار

خبر عاجل